الفصل الحادي عشر
جاسر سقط فجأة على ركبتيه، جسده يهتز كما لو أن طاقة لم تُرى من قبل تتدفق داخله.
أصابع يده ارتجفت… والهواء حوله تشابك بالوميض.
زافيرا، من بعيد، شعرت بقلبها يتوقف للحظة.
“جاسر…” همست، لكن الصوت بدا صغيرًا، بعيدًا، كما لو خرج من عالم آخر.
عيونه، التي كانت دائمًا مليئة بالهدوء، بدأت تتوهج بلون أزرق مخملي…
صوته انبثق من حنجرة لا تشبهه:
“زافيرا… أشعر… بشيء… بداخلي…”
وفي تلك اللحظة، انفجرت المرآة في غرفة زافيرا، رغم أن يديها كانت على بعد أمتار.
قطع الزجاج الطافية في الهواء… والكيان الذي كان يراقبها من انعكاسها ضحك بهدوء، كأنها تقول له:
“لقد بدأ.”
زافيرا شعرت بالرعب والخوف… لكن لم تستطع التحرك بعيدًا.
كل جزء في جسدها كان يصر على الاقتراب، على التدخل… على إنقاذه.
جاسر وقف فجأة، لكن جسده لم يكن على طبيعته.
صوته الآن عميق، قوته الغريبة تتطاير من حوله، يرفع كل شيء صغير في الغرفة بالهواء…
ووجهه… لم يكن وجه جاسر وحده بعد الآن. شيء آخر يختلط به، شيء غامض… شيء… لم يكن لطيفًا.
زافيرا أمسكت بخاتمها، قلبها يصرخ داخليًا:
“إذا فقد السيطرة… سأخسره إلى الأبد.”
وفجأة، همس من لا يُرى في الظلال:
“هذا مجرد البداية، وما سيأتي… سيغير كل شيء بينكما.”
زافيرا ركضت عبر الغرفة، قلبها يصرخ، يديها تمسكان بالخاتم وكأنهما وحدهما سيوقفان ما يحدث.
جاسر وقف في منتصف الغرفة، جسده متوهج بلون أزرق مخملي، وكل شيء حوله يرتجف من طاقته.
“جاسر… استمع إليّ!” صرخت، لكن صوته لم يصل إليه كما ينبغي.
صوته الآن مزدوج… واحده عميق لا تشبهه، والأخرى هو، لكنها مخنوقة، محتجزة.
هو لا يراها… لا يعرف أنها هناك.
وكل حركة يديه ترفع أشياء صغيرة في الهواء، كتب، أواني، حتى طيور صغيرة كانت في القفص تهرب في كل الاتجاهات.
زافيرا، بخطوات حذرة، اقتربت منه، وقالت بصوت منخفض لكنه حازم:
“تذكرني، جاسر… تذكر من أنت… لا تدعهم يأخذوك.”
في تلك اللحظة، انعكاسها في بقايا المرآة الصغيرة ارتعش… وابتسم الانعكاس مرة أخرى.
“إنها لحظة الكسر… لن تستطيع السيطرة على كل شيء بعد الآن.”
جاسر تشنج، صوته انفجر بين الهذيان والعزم:
“لا… لا أستطيع…! من أنت في داخلي؟!”
زافيرا مدت يدها نحو يده، محاولة لمس قلبه، لمسة كأنها تقول له:
“أنا هنا… سأحميك… أنا أؤمن بك.”
لحظة قصيرة… كل شيء توقف.
الصمت، الوميض، الهواء، حتى الطيور توقفت في مكانها.
وللحظة، عادت عيناه إلى اللون الطبيعي… نظرت إليها مباشرة.
لكن الابتسامة لم تكن بالكامل له… شيء آخر كان يختبئ في زاوية روحه.
زافيرا شعرت بالارتباك… لكنها عرفت شيئًا واحدًا:
إذا لم تساعده الآن… فإن ما بداخله سيأخذه إلى مكان لا يمكن العودة منه.
💡 💡
جاسر صرخ فجأة، صوته امتزج بأصوات لا تنتمي له.
الغرفة اهتزّت، الأشياء الطائرة تحطمت على الأرض، والهواء أصبح ثقيلًا… كأن كل شيء يراقبه كيان خفي.
زافيرا ركضت نحوه، قلبها يخرج من صدرها، عينيها تلمعان بالرهبة والقلق.
“جاسر… تذكرني… أنا هنا!” صرخت، وهي تمتد يديها.
لكن لا شيء بدا أن له تأثير… حتى لمسة الخاتم لم تعد كافية.
الجسيمات حوله تشعّ باللون الأزرق الممزوج بالأسود… وابتسامة غامضة ارتسمت على شفتيه، لكنها لم تكن ابتسامته هو.
وفجأة، من زاوية الغرفة، ارتفع انعكاس المرآة المكسورة… لم تعد مجرد قطعة زجاج، بل كيان حي، يتلوّن بالظلال.
صوت من المرآة، عميق وهادئ، لكنه مليء بالقوة:
“الآن… أصبح الكسر كاملاً… وسيعرف العالم من أنت حقًا.”
جاسر بدأ يتغير بالكامل، جسده أصبح هجينًا بينه وبين الظل، عيناه تتوهجان، وكل شيء حوله يرتعش.
زافيرا لم تتراجع… بل اقتربت منه، قلبها يتحدث قبل فمها:
“أنا لن أخسر أحدًا… حتى لو اضطررت لدخول الظلام معك.”
لمسة يديها على صدره أحدثت وميضًا… لبرهة، توقف كل شيء.
ابتسامته الحقيقية لمحها، لكنه بالكاد كان يعرف نفسه.
الكيان داخل المرآة همس:
“إنه لم يعد ملكك… إلا إذا اخترت القوة التي لا يعرفها أحد.”
وهنا، الانفجار النهائي للطاقة: الغرفة امتلأت بضوء أزرق وأسود متشابك، الطيور عادت تطير في الخارج كأنها تحذر من شيء أكبر، وزافيرا شعرت بيدها تُسحب بقوة… إلى عالم آخر، ربما داخل قلب التحول نفسه.
💡