الفصل الثامن
خرج جاسر من بيته القديم مع طلوع الشمس…
القرية كانت هادئة بشكل غير مألوف،
الضوء ينساب بين البيوت كأنه يحاول تسليط الحقيقة أمامه.
لكن هو لم يتجه نحو الزراعة كما اعتاد.
لا… اليوم كان يمشي ببطء…
كأن كل حجر، كل زاوية، كل بيت… يحتاج إلى أن يُشاهد ويُحفظ.
توقف عند كل شارع، يمد يده أحيانًا، يتلمس الجدران القديمة،
وكأنه يحاول أن يترك أثره قبل أن يغادر.
لكن من؟
لا أحد يسمعه، لا أحد يراه…
إلا هو نفسه.
كانت الريح تمر بين الأشجار،
تداعب أوراق النخيل كما لو كانت تحاول أن تسأله:
"لماذا تتجول هكذا؟"
ابتلع أنفاسه.
"لأنني لا أستطيع… أن أترك أي شيء… كما هو."
همسها لنفسه بصوت خافت.
الصمت كان الرد الوحيد.
حتى أصوات الطيور بدت خافتة، خائفة… كما لو كانت تعرف أن شيئًا بداخله مختلف.
واصل السير…
خطوة بعد خطوة…
يتذكر كل زاوية، كل بيت، كل شارع…
كأنه يعد كل شيء، كأنه يودع المكان قبل أن يتحول…
قبل أن يصبح هو نفسه شيء لا يمكنه البقاء فيه.
ثم توقف فجأة عند البئر القديم.
نظر داخله، ومرّت أمام عينيه صورة الطفولة،
والبيت القديم،
والأصدقاء الذين لم يعودوا موجودين.
ابتلع دمعة…
لكنه لم يسمح لها بالسقوط.
"لا أحد يسمعك، جاسر…
لكن كل شيء تتذكره سيبقى…
حتى لو لم تعد هنا."
رفع رأسه… الشمس كانت الآن فوقه،
تسقط أشعتها على القرية…
لكن قلبه، بداخله… لم يكن ضوء الشمس وحده قادرًا على تلطيفه.
كان يعلم… أن الرحلة الحقيقية تبدأ بعد قليل.
وكل شيء سيُختبر… حتى المشاعر، حتى القوة، وحتى ما لم يجرؤ أحد على تسميته: الطوق… والكيان بداخله.
💡
🔥👁️
خرج جاسر من حدود القرية،
الطريق أمامه غير معهود، غير ممهد، كأنه لم يُسلك منذ قرون.
الشمس كانت خلفه، لكنها لم تضيء الطريق أمامه بالكامل،
الظل الطويل للأشجار بدا وكأنه يراقبه، يختبره.
كل خطوة يخطوها كانت تصدر صدى في قلبه…
كأن الأرض نفسها تعرف أنه ليس مجرد زائر.
شعر بالرياح تتحرك حوله بشكل غريب…
ليست نسيمًا عاديًا، بل دفعات من طاقة غريبة، تتفاعل مع الطوق على عنقه.
"لا أستطيع التراجع الآن…" همس لنفسه.
الطوق بدأ ينبض مع كل خطوة، ينبض مع قلبه، وكأنه… يرشده.
وفجأة، ظهرت أمامه علامات قديمة محفورة على الأرض والصخور،
رموز غير مفهومة، لكنها مألوفة بطريقة غريبة…
زافيرا، التي كانت خلفه، توقفت فجأة، وعيناها اتسعت.
"جاسر… هذه علامات مملكتي…" همست بصوت منخفض.
"إنها تشير إلى الطريق الصحيح… وإلى شيء… ينتظرنا هناك."
رفع رأسه، نظر إلى الشمال،
حيث تلتقي السماء بالغابة الداكنة في الأفق البعيد.
تسارعت نبضاته، لمجرد فكرة أنه ما عاد مجرد مراقب…
بل أصبح جزءًا من مصير أكبر، شيء لا يعرف حتى كيف يسيطر عليه.
وفجأة، ظهر أول كيان…
ظل مشوه، نصفه ضبابي، نصفه يتشكل من طاقة مظلمة.
وقف في منتصف الطريق، كحارس صامت.
لم يتحرك، لكنه كان يراقبه… يختبره.
جاسر شعر بالخوف لأول مرة…
لكن شيء داخله—شيء الطوق—أعطاه جرعة من القوة.
رفع يده ببطء،
واندفع شعاع من الطاقة المظلمة والمضيئة معًا، مباشرة نحو الكيان.
بوم!
الكيان تلاشى، لكن صدى صوته بقي:
"لم يبدأ الطريق بعد… المفتاح…"
زافيرا اقتربت، تنظر إليه بقلق ودهشة:
"جاسر… أنت بدأت شيء أكبر من نفسك."
ابتلع أنفاسه، وعيناه تحدقان في الشمال:
"أنا أعرف… الطريق قد يكون صعب… لكن لا رجعة."
💡
🔥👁️
وصل جاسر وزافيرا إلى المكان…
مكان لم تستطع زافيرا أن تتخطاه.
الهواء كان مشحونًا بالطاقة…
والأرض تتلألأ بوميض غريب… كأنها نار مخفية.
حاولت زافيرا خطوة…
لكن بمجرد أن اقتربت، شعرت بحرارة تحرق جلدها.
صرخت، وسحبت قدمها بسرعة:
"لا… هذا مستحيل… جسدِي لا يتحمل!"
نظر إليها جاسر بعينين حادتين…
أدرك أن هذا المكان… ليس للجن وحدهم، ولا للبشر العاديين.
لكن شيء ما بداخله… أراده أن يكتشف كل شيء.
توقف عند آثار قديمة محفورة في الصخور…
كانت آثار مملكة زافيرا القديمة،
رموز وأحرف تتلألأ بخفة، لكنها لم تفصح عن الطريق.
بحث في كل زاوية، كل نقش…
لكنه لم يجد أي مؤشر واضح.
تنهد ببطء، ثم التفت إليها:
"ارجعي إلى قريتي… اهتمي بالطيور، بالزراعة…
هذه أهم ما عندي."
زافيرا لم تتراجع، عينيها ممتلئتان بالقلق:
"جاسر… لا… لا تذهب وحدك!"
ابتسم ابتسامة حزينة، رفع حاجبيه، ونظر إليها بصدق:
"أما أن أرجع ومعي مملكتك…
أو أن أموت هنا."
توقف لحظة… ثم هز رأسه، وركب حصانه.
زافيرا رفعت يدها، همست بصوت مرتجف:
"إياك أن تموت… أنا سأنتظرك… مهما طال الزمن."
ابتعد جسار، كل خطوة من حصانه على الأرض كأنها إعلان بدء معركة لا يعرف نهايتها.
خلفه، ظلّت زافيرا واقفة، عينها لا تفارق خط سيره…
بين الحب والخوف…
بين الأمل والرعب.
💡