الاسم الذي خرج من الظلام
لم أكن أظن أن صباح ذلك اليوم سيحمل كل هذا الثقل.
منذ اللحظة التي غادرت فيها المنزل، كان شعور غريب يرافقني، شعور يشبه الوقوف على حافة شيء لا تعرف عمقه.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والمدينة تبدو باهتة تحت ضوء رمادي بارد. الهواء يحمل رائحة المطر، والسيارات تمر في الشارع ببطء، كأن العالم كله يتحرك على إيقاع الترقب.
سرتُ إلى جانب أريندو بصمت.
كان يمشي كعادته بهدوئه المثير للريبة، معطفه الأسود الطويل يتحرك مع الريح، وعيناه مثبتتان أمامه، وكأنه يفكر في شيء أبعد مما أراه.
قال فجأة دون أن ينظر إليّ:
— "هل أنت مستعد لما قد نجده؟"
نظرت إليه للحظة، ثم أعدت بصري إلى الطريق.
— "منذ أن اتصلت بي ليلى في تلك الليلة، لم أعد أملك خيار التراجع."
وصلنا إلى مركز الشرطة.
كان المبنى يبدو أكثر برودة من المعتاد؛ جدرانه الرمادية، نوافذه العالية، وصوت الخطوات المتردد في الممرات الطويلة، كل شيء كان يبعث شعورًا غريبًا بالتوتر.
دخلت مكتبي، وضعت الملف الذي حملته فوق الطاولة، ثم جلست أمام الحاسوب.
وقف أريندو بجانبي، ومال قليلًا إلى الأمام.
— "ابدأ بقضية المفقودين القديمة." قال بصوت منخفض.
أومأت وبدأت أبحث في الأرشيف الإلكتروني.
ظهرت أمامي ملفات كثيرة، أسماء، تواريخ، تقارير قديمة أكلها الغبار والنسيان.
فتحت أول ملف.
القضية: سلسلة اختفاءات حي السروات.
التاريخ: قبل سبع سنوات.
شعرت بشيء ينقبض داخلي.
سبع سنوات…
تقريبًا في نفس الفترة التي قالت ليلى إن والدها اختفى فيها.
بدأت أتصفح التفاصيل.
عدة أشخاص اختفوا في فترات متقاربة.
بعضهم رجال أعمال، وبعضهم موظفون عاديون، لكن شيئًا واحدًا كان يربط بينهم…
كلهم عملوا في شركات تابعة لإلياس مرهون.
تبادلت نظرة سريعة مع أريندو.
— "إذن الأمر ليس صدفة." قلت بصوت خافت.
اقترب أكثر، ووضع يده على حافة المكتب.
— "تابع."
فتحت ملفًا آخر.
اسم المفقود: يوسف العابد.
توقفت يدي.
رفعت بصري ببطء إلى أريندو.
— "هذا…"
قال فورًا:
— "والد ليلى؟"
أومأت.
شعرت بقلبي ينبض بقوة.
قرأت التقرير بصوت مسموع:
— "آخر مرة شوهد فيها… أمام مقر شركة مرهون للاستثمارات. اختفى بعد ساعات من تقديم بلاغ داخلي عن مخالفات مالية."
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
ثم قلت وأنا أحدق في الشاشة:
— "لقد كان على وشك فضح شيء ما."
تنهد أريندو ببطء.
— "والدتها أيضًا اختفت بعدها بيوم واحد، أليس كذلك؟"
بدأت أبحث باسم الأم.
وبعد ثوانٍ… ظهر الملف.
اسم المفقودة: مريم العابد.
ابتلعت ريقي.
— "هذا ليس ممكنًا…" همست.
فتحت التقرير.
آخر ظهور: قرب منزل العائلة.
شهود أفادوا بوجود سيارة سوداء متوقفة في الشارع.
تجمدت في مكاني.
سيارة سوداء…
نفس الوصف الذي ذكرته ليلى عن الشخص الذي راقبها.
هذا يعني أن الأمر لم ينتهِ.
بل استمر كل هذه السنوات.
اقترب أريندو من النافذة، وأدار ظهره لي قليلًا.
— "صخر…"
— "ماذا؟"
التفت نحوي ببطء.
— "هناك شيء آخر يجب أن تراه."
مدّ يده وأخذ ملفًا قديمًا من الرف الجانبي، ثم وضعه أمامي.
كان ملفًا ورقيًا، لونه أصفر باهت من الزمن.
على الغلاف كُتب بخط أسود:
قضية داخلية – سري
نظرت إليه بدهشة.
— "من أين أتيت به؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة غامضة.
— "بعض الأبواب لا تُفتح إلا إذا عرفت أين تطرق."
فتحت الملف.
في الصفحة الأولى كانت قائمة بأسماء المحققين الذين عملوا على القضية قبل إغلاقها.
توقفت أنفاسي.
اسم واحد جعل العالم من حولي يصمت.
المحقق: نادر صخر الدين
نظرت إلى الاسم طويلًا.
لم أصدق.
همست بصوت متحشرج:
— "هذا…"
اقترب أريندو وقال بهدوء:
— "والدك."
شعرت كأن الأرض انسحبت من تحتي.
يدي ارتجفت فوق الورق.
— "مستحيل…"
أعدت النظر إلى الاسم مرارًا.
لكنه لم يتغير.
إنه اسم والدي.
والدي الذي كان دائمًا يتجنب الحديث عن الماضي.
والدي الذي كان يرفض حتى ذكر اسمي أحيانًا.
شعرت ببرودة تجتاحني.
كل شيء بدأ يترابط بطريقة مخيفة.
ليلى.
والدها.
إلياس مرهون.
قضية الاختفاءات.
ووالدي… في قلب كل ذلك.
رفعت رأسي ببطء.
— "لماذا لم يخبرني؟"
أريندو ظل صامتًا.
لكن الصمت هذه المرة كان أكثر بلاغة من أي إجابة.
أغلقت الملف بقوة.
— "يجب أن أواجهه."
قال أريندو بسرعة:
— "تمهل."
نظرت إليه بحدة.
— "لا وقت للتمهل."
اقترب مني وقال بنبرة جادة:
— "إذا كان والدك جزءًا من هذه القضية، فهناك احتمالان…"
سكت لحظة.
— "إما أنه حاول كشف الحقيقة، أو أنه أخفاها."
تجمدت.
كانت الفكرة قاسية.
لكنها ممكنة.
وضعت يدي على رأسي.
— "لا… لا أستطيع تصديق ذلك."
قال أريندو بهدوء:
— "الحقيقة لا تطلب منا أن نصدقها… فقط أن نواجهها."
رفعت بصري إليه.
ثم أخذت الملف بين يدي.
في تلك اللحظة أدركت أن القضية لم تعد تتعلق فقط بليلى.
بل أصبحت تتعلق بي أنا أيضًا.
باسمي.
بعائلتي.
وبالماضي الذي كنت أظنه مجرد صمت بارد.