اعين داخل الظلام
كان الهواء بارداً على نحوٍ قاسٍ، يلسع وجهي كلما أسرعت في السير.
الليل بدا أثقل من المعتاد، والشارع الذي حفظت تفاصيله في النهار صار الآن مختلفًا، كأن الظلام ابتلع ملامحه وترك فقط أضواء المصابيح الخافتة تنعكس فوق الأرصفة المبللة.
كنت أقبض على هاتفي بقوة، وصوت ليلى المرتجف لا يزال يتردد في أذني.
— "أرجوك… تعال بسرعة."
كانت كلمات قصيرة، لكنها حملت خوفًا أكبر من أن يُوصف.
تسارعت خطواتي أكثر، حتى كدت أركض.
مررت بالشارع الرئيسي، ثم انعطفت نحو الحي القديم، ذلك المكان الذي يحمل في الليل وجهًا آخر؛ نوافذ مغلقة، أبواب صامتة، وأزقة ضيقة تبدو كأنها تبتلع من يدخلها.
كل شيء كان ساكنًا… ساكنًا أكثر مما يجب.
عندما وصلت إلى منزل ليلى، كان الباب مواربًا.
توقفت فجأة.
قلبي خفق بقوة.
لم يكن الباب هكذا عندما غادرت في المرة السابقة.
اقتربت ببطء، ومددت يدي نحو المقبض، ثم دفعت الباب قليلًا.
أصدر صريرًا خافتًا مزّق صمت المكان.
— "ليلى؟" ناديت بصوت منخفض، لكن واضح.
لم يصلني رد.
دخلت بحذر.
كان البيت غارقًا في ظلام شبه كامل، سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة الصغيرة في الصالة.
نظرت حولي بسرعة.
الكرسي الخشبي مقلوب على الأرض.
إحدى الستائر ممزقة قليلًا.
وطبق زجاجي محطم قرب الجدار.
شعرت بانقباض حاد في صدري.
— "ليلى!" ناديت هذه المرة بصوت أعلى.
جاءني صوت ضعيف من الداخل.
— "صخر…"
التفت بسرعة نحو مصدر الصوت، واتجهت إلى الغرفة الصغيرة في آخر الممر.
فتحت الباب…
وجدتها جالسة في زاوية الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، ووجهها شاحب، وعيناها حمراوان من البكاء.
كانت ترتجف.
اقتربت منها بسرعة وركعت أمامها.
— "ليلى… ماذا حدث؟"
رفعت نظرها إليّ، وعيناها مليئتان بالخوف.
— "كان هناك شخص أمام النافذة… ظل واقفًا يراقبني."
نظرت إلى النافذة فورًا.
الستارة كانت مسحوبة بعنف، والزجاج يحمل أثر يد واضحة من الخارج.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
— "هل رأيتِ وجهه؟"
هزّت رأسها بالنفي.
— "كان يرتدي معطفًا أسود… وغطّى وجهه بقبعة. لم أستطع أن أرى شيئًا."
سكتت لثانية، ثم همست:
— "لكنه كان ينظر إليّ… كنت أشعر بذلك."
بقيت صامتًا للحظة، أحاول أن أسيطر على غضبي.
ثم سألتها بهدوء:
— "هل حاول الدخول؟"
نظرت إلى الباب المكسور جزئيًا وقالت بصوت مرتجف:
— "نعم… سمعت صوت المقبض يتحرك، ثم طرق الباب بقوة."
نظرت إلى المقبض.
كان عليه خدوش واضحة، كأن أحدهم حاول فتحه بأداة معدنية.
تنفست ببطء.
— "هل كنتِ وحدك منذ غادرتُ؟"
أومأت.
— "نعم…"
خفضت بصري قليلًا، ثم قلت بنبرة أكثر هدوءًا:
— "لا تقلقي… لن أسمح لأحد أن يقترب منك."
رفعت عينيها إليّ، وكأنها تبحث في وجهي عن صدق هذه الكلمات.
ثم قالت بصوت خافت:
— "لماذا أشعر أن الأمر ليس صدفة؟"
تجمدت.
لأن السؤال نفسه كان يدور في رأسي.
الرسالة التي وصلتني…
"ليس كل من أنقذته يريد أن يُنقذ."
نظرت إليها وسألت:
— "هل أخبرتِ أحدًا آخر عن مكان سكنك؟"
هزت رأسها.
— "لا… فقط أنت."
عقدت حاجبيّ.
إذن من يعرف؟
وقفت ببطء، واتجهت إلى النافذة.
نظرت إلى الخارج.
الأزقة فارغة.
لكن شيئًا ما لفت نظري.
على الأرض قرب الجدار الخارجي… قطعة ورق.
خرجت بسرعة، وانحنيت لألتقطها.
كانت مطوية بعناية.
فتحتها.
جملة واحدة فقط.
"أنقذتَ الشخص الخطأ."
شعرت بقشعريرة قوية.
هذا لم يعد مجرد تخويف.
هناك من يراقبنا.
عدت إلى الداخل.
كانت ليلى لا تزال جالسة، لكن خوفها بدا أكبر الآن.
اقتربت منها وقلت بهدوء حاسم:
— "لن تبقي هنا الليلة."
رفعت رأسها بسرعة.
— "ماذا؟"
— "ستأتين معي إلى المنزل."
بدت مترددة.
— "لكن…"
قاطعتها بنبرة مطمئنة:
— "ليارا هناك، ونيرفال أيضًا. ستكونين بأمان."
نظرت إليّ طويلًا، ثم أومأت ببطء.
ساعدتها على الوقوف.
كانت يداها باردتين بشكل ملحوظ.
أخذت بعض أغراضها الضرورية في حقيبة صغيرة، ثم خرجنا معًا.
الطريق إلى المنزل بدا أطول من المعتاد.
كانت تمشي بجانبي بصمت، تنظر أحيانًا خلفها.
أما أنا… فكنت أشعر أن أحدًا ما يراقبنا من مكان ما.
كل ظل، كل زاوية، كل نافذة مظلمة… بدت لي مشبوهة.
عندما وصلنا إلى المنزل، فتحت الباب بسرعة.
كانت ليارا في الصالون، مستيقظة، وملامح القلق واضحة على وجهها.
ما إن رأت ليلى حتى نهضت فورًا.
— "يا إلهي… ماذا حدث؟"
نظرت إليها وقلت بصوت منخفض:
— "سأخبرك بكل شيء… لكن دعينا ندخلها أولًا."
اقتربت ليارا من ليلى بحنان، وأخذت بيدها.
— "تعالي… أنتِ بأمان هنا."
نظرت ليلى إليها بدهشة خفيفة، ثم تبعتها ببطء.
وقفت في الصالون للحظة، وأغلقت الباب بالمفتاح.
ثم نظرت إلى الظلام خلف الزجاج.
شعور ثقيل ظل يضغط على صدري.
هذه ليست مجرد مصادفة.
أحدهم يريد شيئًا.
والأسوأ…
أنه يعرف كيف يصل إلينا.