زراثيل - الرسالة التي جاءت مع اليل | روايتك

اسم الرواية: زراثيل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الرسالة التي جاءت مع اليل

الرسالة التي جاءت مع اليل

مرّ اليوم الذي قضيته مع ليارا كنسمة دافئة وسط شتاء طويل. في المساء، كان البيت هادئًا على غير عادته، وكأن الجدران نفسها استسلمت للصمت. ضوء المصباح الأصفر في الممر كان خافتًا، يرسم ظلالًا طويلة على الأرض، بينما كانت نيرفال ملتفة فوق الأريكة، تغفو بين الحين والآخر وترفع رأسها كلما سمعت حركة بسيطة. جلست في غرفتي قرب النافذة، والمدينة في الخارج تبدو ساكنة تحت عباءة الليل. المطر بدأ يهطل من جديد، قطرات صغيرة تتسابق فوق الزجاج، وصوتها الرتيب منح المكان شيئًا من السكينة، لكن داخلي لم يكن هادئًا كما يبدو. كنت أفكر في ليلى… في نظرتها حين أمسكت الورقة التي كتبت عليها رقمي، وفي الطريقة التي ارتجف بها صوتها عندما تحدثت عن وحدتها. ثم انتقل فكري إلى ليارا… ابتسامتها بعد الخروج من المستشفى، وكيف أخفت خوفها خلف ضحكة صغيرة. تنهدت، وأملت رأسي إلى الخلف. "كم أكره أن أرى من أحبهم يتألمون..." في تلك اللحظة، سُمع صوت طرق خفيف على باب غرفتي. — "ادخل." فتح الباب ببطء، وظهرت ليارا، ترتدي منامة بلون أزرق فاتح، وشعرها منسدل على كتفيها. — "لم تنم بعد؟" سألت وهي تبتسم. ابتسمت لها بخفة. — "وأنتِ أيضًا." دخلت وجلست على طرف السرير، بينما قفزت نيرفال فورًا إلى حضنها. ضحكت ليارا وهي تمسح على فروها. — "أظن أنها بدأت تفضلني عليك." رفعت حاجبيّ متظاهرًا بالاستياء. — "خيانة واضحة." ضحكت بصوت خافت، ثم ساد بيننا صمت مريح لثوانٍ. نظرت إليّ فجأة وقالت بصوت أهدأ: — "شكرًا على اليوم يا صخر." نظرت إليها باستغراب بسيط. — "قلت لك… هذا أقل شيء." هزت رأسها ببطء. — "لا، ليس الأمر هكذا. أنت دائمًا تحمل الجميع فوق كتفيك… كأنك تحاول أن تكون قويًا طوال الوقت." خفضت بصري إلى الأرض. — "ربما لأنني لا أملك رفاهية الضعف." تأملتني للحظة، ثم قالت: — "حتى الصخور تتشقق أحيانًا." بقيت كلماتها معلقة في الهواء، أثقل مما توقعت. لم أجد ما أقوله. ابتسمت لي بهدوء ونهضت. — "تصبح على خير." — "وأنتِ من أهله." أغلقت الباب خلفها، وبقيت أحدق في الفراغ. "حتى الصخور تتشقق..." لماذا بدت الجملة وكأنها طعنة ناعمة في مكان أخفيه حتى عن نفسي؟ أطفأت الضوء واستلقيت على السرير، لكن النوم لم يأتِ بسهولة. ظل المطر يهمس على النافذة، والليل يزداد عمقًا. لا أعرف كم مرّ من الوقت حتى أيقظني صوت غريب. طَرق… طَرق… فتحت عيني فجأة. كان الصوت يأتي من الطابق السفلي. جلست بسرعة، قلبي بدأ ينبض بقوة. نظرت إلى الساعة: الثانية وأربعون دقيقة بعد منتصف الليل. من الذي يطرق الباب في هذا الوقت؟ خرجت من الغرفة بهدوء، والممر غارق في العتمة إلا من ضوء القمر المتسلل من النافذة. خطواتي كانت بطيئة وحذرة، وكل صوت صغير بدا مضاعفًا في سكون الليل. وصلت إلى باب المنزل. طَرق… طَرق… هذه المرة كان الصوت أوضح. فتحت الباب بحذر… لكن لم يكن هناك أحد. الشارع كان فارغًا، والمطر قد توقف، تاركًا الأرض لامعة تحت ضوء المصباح الخارجي. تقدمت خطوة إلى الأمام، ونظرت يمينًا ويسارًا. لا أحد. هممت بإغلاق الباب، لكن شيئًا لفت نظري قرب العتبة. ظرف أبيض. انحنيت والتقطته. لم يكن عليه اسم، فقط خط أسود طويل في المنتصف. أغلقت الباب بسرعة وعدت إلى الداخل، ثم فتحت الظرف ببطء. كان بداخله ورقة واحدة. بخط يد غير مرتب، كُتبت جملة قصيرة: "ليس كل من أنقذته يريد أن يُنقذ." تجمدت في مكاني. أعدت قراءة الجملة مرة، مرتين، ثلاثًا. شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. أول ما خطر ببالي… ليلى. هل يتعلق الأمر بها؟ من أرسل هذه الرسالة؟ ولماذا الآن؟ في تلك اللحظة، اهتز هاتفي بعنف في يدي. نظرت إلى الشاشة. ليلى تتصل. اتسعت عيناي، وأجبت فورًا. — "ليلى؟" لكن كل ما سمعته في البداية كان أنفاسًا متقطعة… وصوت بكاء مكتوم. ثم جاء صوتها المرتجف: — "صخر… أرجوك… تعال بسرعة." نهضت من مكاني فورًا. — "ماذا حدث؟!" جاءني صوتها متكسرًا من بين شهقاتها: — "هناك شخص… كان أمام المنزل… أعتقد أنه كان يراقبني." شعرت بأن الدم تجمد في عروقي. أمسكت معطفي ومفاتيحي بسرعة، وخرجت من المنزل دون تردد. لكن قبل أن أغلق الباب، سمعت صوت ليارا من أعلى الدرج: — "صخر؟ إلى أين أنت ذاهب؟" رفعت رأسي إليها. كانت تقف في الظل، وملامحها يملؤها القلق. قلت بسرعة: — "ليلى في خطر." اتسعت عيناها، لكنها لم تسأل المزيد. — "كن حذرًا." أومأت برأسي، ثم خرجت إلى الليل. كان الهواء باردًا، والشارع فارغًا، وخطواتي تتسارع فوق الأرض المبللة. في داخلي شعور واحد فقط… شيء ما بدأ الآن. شيء أكبر من مجرد صدفة. وشيء يخبرني أن هذه الليلة… ستغيّر كل شيء.