يوم من اجل ليارا
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى غرفتي عبر الستائر نصف المفتوحة، وانعكست على الجدار حيث كانت الورقة التي علقتها البارحة لا تزال في مكانها.
غدًا: يجب أن آخذ ليارا إلى المستشفى للفحص.
رفعت بصري إليها لثوانٍ، ثم ابتسمت لنفسي ابتسامة هادئة.
لم يكن هذا اليوم مجرد موعد طبي… كان يومًا قررت أن يكون لها، لابتسامتها، لقلبها الذي يقاتل بصمت منذ سنوات.
نهضت من السرير ببطء، كانت نيرفال ملتفة قرب الوسادة، تغط في نوم عميق، ذيلها الصغير يتحرك بخفة مع أنفاسها الهادئة. انحنيت ولمست رأسها برفق.
— "صباح الخير يا مشاغبة..." تمتمت بابتسامة.
خرجت من غرفتي متجهًا نحو غرفة ليارا.
وقفت أمام الباب للحظة، ثم طرقت طرقات خفيفة.
— "ليارا؟ هل استيقظتِ؟"
جاءني صوتها الناعم من الداخل:
— "ادخل يا صخر."
فتحت الباب بهدوء. كانت جالسة على طرف السرير، شعرها البني الطويل ينسدل على كتفيها، وملامحها الهادئة يغمرها ضوء الصباح الذهبي. رغم شحوب وجهها الخفيف، إلا أن ابتسامتها كانت كفيلة بأن تجعل الغرفة أكثر دفئًا.
رفعت نظرها إليّ وقالت مبتسمة:
— "ما هذه الزيارة الصباحية المفاجئة؟"
اقتربت منها وقلت بنبرة خفيفة:
— "اليوم ليس يومًا عاديًا… اليوم أنتِ ملكة هذا البيت."
ضحكت ضحكة قصيرة جعلت عينيها تلمعان.
— "ماذا تريد يا صخر؟"
ابتسمت ورفعت الورقة الصغيرة التي نزعتها من الحائط.
— "موعد المستشفى… لم أنسَ."
نظرت إليّ للحظة، ثم انخفض بصرها قليلًا.
— "لم يكن عليك أن تشغل نفسك…"
قاطعتها بلطف:
— "بل كان عليّ. أنتِ دائمًا بجانبي، واليوم دوري."
صمتت لثوانٍ، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة دافئة.
— "شكرًا."
بعد قليل، خرجنا من المنزل.
كان الصباح باردًا ومنعشًا، والشوارع بدأت تستيقظ ببطء. أشعة الشمس انعكست على زجاج السيارات والمحال، والهواء يحمل رائحة القهوة الطازجة القادمة من المخبزة القريبة.
سارت ليارا بجانبي بخطوات هادئة، وكانت ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا، وشالًا أبيض يلتف حول عنقها. بدت هادئة… جميلة رغم التعب الذي يسكن ملامحها.
نظرت إليها وقلت مبتسمًا:
— "تبدين أفضل اليوم."
ابتسمت بخفة وقالت:
— "ربما لأنك تتصرف وكأنني طفلة صغيرة."
ضحكت.
— "بل لأنني أخ أكبر مسؤول."
نظرت إليّ بطرف عينها وقالت بمكر:
— "أخ أصغر… لا تنسَ ذلك."
دخلنا المستشفى.
الجدران البيضاء، صوت خطوات الأطباء، رائحة المعقمات، والهدوء الثقيل الذي لا يقطعه سوى أصوات الأجهزة… كل ذلك جعل صدري ينقبض.
جلست ليارا على المقعد بينما ذهبت لتأكيد الموعد.
عندما عدت، وجدتها تنظر من النافذة، وكأنها غارقة في أفكار بعيدة.
جلست بجانبها وسألتها بهدوء:
— "بماذا تفكرين؟"
تنهدت ببطء.
— "أحيانًا أتساءل… هل سيتوقف قلبي يومًا قبل أن أعيش ما أريد؟"
تجمدت الكلمات في حلقي.
التفت إليها بسرعة وقلت بنبرة حازمة، لكنها مليئة بالدفء:
— "لا تقولي ذلك."
نظرت إليّ بصمت.
— "أنتِ أقوى شخص أعرفه، ليارا. المرض لم يهزمك طوال هذه السنوات، ولن يفعل الآن."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة.
— "دائمًا تعرف ماذا تقول."
مددت يدي وأمسكت يدها.
— "لأنني أقول الحقيقة."
بعد الفحص، خرج الطبيب بملفها الطبي بين يديه.
نظرت إلى وجهه محاولًا قراءة أي شيء، لكن ملامحه بقيت هادئة.
قال بصوت مهني:
— "حالتهـا مستقرة… لكن يجب أن تستمر في العلاج، وأن تتجنب الإرهاق."
شعرت أنني أتنفس من جديد.
أما ليارا، فاكتفت بابتسامة هادئة وكأنها كانت تعرف ذلك مسبقًا.
خرجنا من المستشفى، وكان النهار قد تقدم.
اقترحت عليها أن نذهب إلى المقهى القريب.
جلسنا قرب النافذة، وكانت رائحة الشوكولاتة الساخنة تملأ المكان.
وضعت الكوب أمامها وقلت مبتسمًا:
— "هذه مكافأة لأنك كنت شجاعة."
ضحكت وهي تمسك بالكوب بين يديها.
— "وكأنني طفلة حقًا."
نظرت إليها بابتسامة صادقة.
— "بالنسبة لي… ستبقين دائمًا أختي الصغيرة، حتى لو كنتِ أكبر مني."
ضحكت بصوت أعلى هذه المرة، وكان ضحكها أجمل صوت سمعته في ذلك اليوم.
عندما عدنا إلى المنزل، استقبلتنا نيرفال بمواءٍ متذمر، وكأنها تعاتبنا على تأخرنا.
انحنت ليارا وحملتها بين ذراعيها.
— "اشتقتِ إلينا؟"
التفتُّ إليهما، وشعرت أن هذه اللحظة، ببساطتها، تساوي عالمًا كاملًا.
في تلك الليلة، وقفت أمام باب غرفتها قبل أن تنام.
— "كيف تشعرين الآن؟" سألتها.
ابتسمت ليارا وقالت بصوت ناعم:
— "أفضل… لأنك كنت معي."
نظرت إليها طويلًا، ثم ابتسمت.
— "سأبقى دائمًا."
أغلقت الباب بهدوء، وعدت إلى غرفتي، وداخل صدري شعور غريب بالراحة…
كأن هذا اليوم لم يكن مجرد موعد طبي، بل كان تذكيرًا لي بأن القوة ليست فقط في مواجهة العالم، بل في أن تكون سندًا لمن تحب.