الكل يستحق فرصة
بقيت جالسًا أمام ليلى لبعض الوقت، والهدوء يملأ المكان إلا من صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار. كانت تنظر إليّ بنظرة مختلفة هذه المرة، أقل خوفًا، وأكثر اطمئنانًا، كأنها بدأت تصدق أنني لم آتِ لأداء واجب عابر، بل لأنني أردت حقًا أن أكون بجانبها.
قالت بصوت منخفض وهي تعبث بأطراف ثوبها:
— "هل تعيش وحدك؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم أملت ظهري إلى الكرسي الخشبي القديم.
— "ليس تمامًا... أعيش مع أختي، ليارا."
رفعت رأسها باهتمام، فتابعت بصوت هادئ:
— "ليارا... هي الشيء الأجمل في حياتي. أختي الكبرى، لكنها بالنسبة لي أكثر من ذلك... هي السند الذي لم يخذلني يومًا."
سكتُّ للحظة، وكأن اسمها وحده يوقظ داخلي ألف ذكرى.
— "منذ كنا صغارًا، كانت دائمًا بجانبي. عندما كان العالم يضيق بي، كانت هي المساحة الوحيدة التي أتنفس فيها. حتى وهي مريضة... ما زالت تقاتل وكأن قلبها أقوى من كل شيء."
ابتسمت ليلى بحزن وقالت:
— "يبدو أنك تحبها كثيرًا."
نظرت إليها مباشرة وقلت بثبات:
— "هي عائلتي الحقيقية."
ساد الصمت للحظة، لكنه لم يكن صمتًا مزعجًا، بل كان يشبه لحظة دفء وسط برد طويل.
نهضت من مكاني، وعدلت سترتي، ثم أخرجت هاتفي وكتبته في ورقة صغيرة.
— "هذا رقمي، إذا احتجتِ أي شيء... في أي وقت، اتصلي بي."
أخذت الورقة ببطء، ونظرت إليها وكأنها تحمل شيئًا أكبر من مجرد أرقام.
— "شكرًا يا صخر..."
خرجت من منزلها، وكان الهواء في الخارج باردًا منعشًا. سرت بين الأزقة القديمة، والأضواء البرتقالية للمصابيح تنعكس على الأرصفة المبللة، حتى أخرجت هاتفي واتصلت بـ أريندو.
— "أريندو، ما رأيك أن نلتقي في مقهى الزنبقة السوداء؟"
جاءني صوته الهادئ من الجهة الأخرى:
— "كنت أفكر في الأمر نفسه... سأكون هناك."
وصلت إلى المقهى بعد دقائق. كان المكان دافئًا، تغمره إضاءة صفراء خافتة تمنح الجدران الخشبية لونًا ذهبيًا ناعمًا. رائحة القهوة المحمصة امتزجت برائحة الفانيلا، والموسيقى الهادئة في الخلفية جعلت الجو أشبه بمشهد من فيلم قديم.
كان أريندو جالسًا قرب النافذة، يضع معطفه الأسود على كتفيه، وشعره الداكن مرتب بعناية، بينما كانت عيناه الهادئتان تتأملان الشارع بالخارج. بدا كعادته أنيقًا وغامضًا، يحمل هالة تجعل من الصعب قراءة ما يدور في داخله.
اقتربت منه وقلت مبتسمًا:
— "أتمنى أنني لم أتأخر عنك."
رفع نظره إليّ، وابتسم ابتسامته الخفيفة المعهودة.
— "لا... وصلت منذ دقائق فقط."
جلست أمامه، ووضع النادل فنجان قهوة ساخن أمامي، تصاعد منه بخار دافئ لامس وجهي.
نظر إليّ أريندو وقال:
— "أخبرني... كيف حالها؟"
أخذت نفسًا عميقًا.
— "ليلى تبدو أفضل... لكنها ما زالت تحمل الكثير من الألم. أشعر أن وحدتها أكبر من البيت الذي تسكنه."
خفض أريندو بصره قليلًا، ثم قال بنبرة عميقة:
— "أحيانًا لا يحتاج الإنسان من ينقذه... بل من يجلس بجانبه فقط."
صمتُّ لثوانٍ، ثم قلت:
— "أشعر أنني أرى نفسي فيها."
رفع حاجبه بدهشة خفيفة.
— "كيف ذلك؟"
نظرت إلى فنجان القهوة، حيث كانت دوائر البخار تتصاعد ببطء.
— "ذلك الشعور بأنك موجود... لكنك غير مرئي. أن تكون وسط الناس، ومع ذلك وحيدًا."
ابتسم أريندو بحزن خفيف وقال:
— "لهذا السبب أنت الوحيد القادر على فهمها."
بقينا نتحدث طويلًا، عن ليلى، عن الألم، عن القوة التي يصنعها الوجع، حتى شعرت أن الليل بدأ يثقل فوق المدينة.
عدت إلى البيت، فتحت باب غرفتي بهدوء، وكانت نيرفال نائمة فوق الوسادة، بينما عمّ الصمت المكان.
تقدمت نحو المرآة، ووقفت أمامها أتأمل انعكاسي.
نظرت إلى عينيّ طويلًا، ثم قلت في نفسي:
"لطالما رأيت نفسي الشخص القوي... وسأظل كذلك دومًا."
ارتسمت على وجهي ابتسامة هادئة.
"أنا فخور بنفسي... وفخور بليارا أيضًا. تلك الفتاة التي تحارب المرض كل يوم، وما زالت تبتسم."
مددت يدي إلى الورقة الصغيرة المعلقة قرب مكتبي، وكتبت عليها بخط واضح:
غدًا: يجب أن آخذ ليارا إلى المستشفى للفحص.
علقتها على الجدار، ثم نظرت إليها للحظة طويلة.
"غدًا سيكون يومها... يجب أن أخصصه لها، وأن أعتني بها... وبنيرفال أيضًا."
استلقيت على السرير، وأطفأت الضوء، بينما كان ضوء القمر يتسلل من النافذة، يرسم خطوطًا فضية على الجدار.
أغمضت عينيّ ببطء، وتركت الليل يأخذني إلى النوم، وأنا أفكر في الغد... وفي كل ما يجب أن أكونه.