الفصل الأول
في أقصى أطراف القرية…
حيث تنتهي الطرق، ويبدأ الصمت…
كان يعيش "جاسر".
وحيدًا.
تحيط به الجبال من كل جانب،
وتعانقه الغابات الكثيفة،
وتهمس له الوديان بأسرارٍ لا يسمعها سواه.
لم يعرف أمه يومًا…
قيل له إنها ماتت لحظة أن أبصر هو النور،
وكأن حياته… كانت ثمنًا لحياتها.
أما والده…
فلم يكن أفضل حالًا.
رجل أنهكه الشراب،
وغرق في قسوته أكثر مما غرق في حزنه.
حتى جاء ذلك اليوم…
حين سقط من أعلى الجبل،
واختفى صوته إلى الأبد.
ومنذ أن بلغ "جاسر" العاشرة…
لم يطرق بابه أحد.
لم يسأل عنه أحد.
بل… تجنبه الجميع.
أهل القرية كانوا يهمسون كلما ذُكر اسمه:
"هذا الولد… منحوس."
"يجلب المصائب."
"اقترب منه… وتدفع الثمن."
وهكذا…
كبر "جاسر" في عزلةٍ لم يخترها.
لا صديق…
لا عائلة…
لا أحد.
سوى…
حصانٍ أسود، من سلالة ملكية،
ورثه عن والده.
كان الوحيد الذي لا يخافه.
والوحيد الذي بقي معه.
ومنزلٍ قديم،
تئن جدرانه مع الرياح،
كأنها تروي حكاياتٍ مات أصحابها.
وعشرة أفدنة من الأرض…
كانت كل ما يملكه في هذا العالم.
يعمل فيها بصمت،
يزرع… ويحصد… ويعيش.
كأن الحياة مجرد عادة.
لكن الشيء الوحيد الذي لم يتخلَّ عنه يومًا…
كان قبعته السوداء.
يرتديها دائمًا،
في الشمس… في المطر… وحتى أثناء النوم أحيانًا.
حتى أصبح أهل القرية لا ينادونه باسمه…
بل يقولون:
"صاحب القبعة السوداء."
وفي ليلةٍ لم تكن كغيرها…
حين كانت الرياح تعوي بشكلٍ غريب،
والسماء خالية من القمر…
وقف "جاسر" عند باب منزله،
ينظر نحو الغابة.
شعر بشيء…
شيء لم يشعر به من قبل.
كأن أحدًا…
ينتظره هناك.
🩸
عندما بلغ "جاسر" العشرين، كان قد تحول إلى رجلٍ لم يعد أحد يعرفه من ذلك الطفل المنبوذ.
بشرته السمراء تلمع تحت الشمس،
وعيناه الزرقاوان كانتا تعكسان صلابة لا تعرف الخوف.
جسمه كان كالفولاذ… صلب كالصخرة…
تكوَّن من وحشة وحده، ومن صمتٍ امتد سنوات.
حين خرج إلى شوارع القرية،
توقف الزمن للحظة.
الكل نظر إليه بدهشة،
إعجاب ممزوج بخوف،
احترام ممزوج بالرهبة.
حتى أولئك الذين لطالما احتقروا الطفل الضعيف،
لم يستطيعوا إنكار جماله… وقوته… وهيبته.
وعندما يذهب إلى أرضه ليزرع أو ليحصد،
يخرج على حصانه الأسود… كأنه ملكٌ قادم من كوكب آخر.
الكل يفسح له الطريق،
يحني رأسه احترامًا،
ويتساءل في صمت:
"من هذا الذي أصبح… شيئًا آخر… كالحلم؟"
لم يكن الطفل الذي طالما عانى من الوحدة والنبذ…
لقد أصبح أسطورةً حية بين أهل القرية،
شيئًا يجمع بين القوة والجمال،
شيئًا يخيف ويأسر في الوقت
رغم كل إعجاب الناس به…
ظل "جاسر" وحيدًا كما كان دائمًا.
لم يعد يهمه شيء في هذه الحياة…
كل همه كان الحصان الأسود، الذي رافقه منذ وفاة والده، والطعام الذي يسقيه بعناية كل صباح ومساء.
حين يسير في طرقات القرية،
تبدو خطواته وكأن أسطورة وُلدت فجأة… وكبرت في تلك اللحظة.
طويل القامة، مرتديًا معطفًا أسود وقبعته السوداء التي أصبحت توقيعًا له…
يختفي خلف الغابة والجبال كما لو أنه جزءٌ من الظلال نفسها.
لا يتحدث مع أحد…
ولا يبتسم…
ولا يعرف الناس من أين جاء أو إلى أين يذهب.
لكن حين تلتقيه عيناه الزرقاوان الثابتتان،
تشعر وكأن كاشف أسرارك بالكامل ينظر إليك.
كأنك أمام محقق دخل مسرح الجريمة، يتفحص كل تفاصيلك… دون أن يقول كلمة واحدة.
ومثلما كانت حياته منذ الصغر…
لم يدخل أحد منزله.
الجدران القديمة والستائر الثقيلة كانت حصنه الأخير… وعالمه الوحيد.
كان "جاسر"…
الملك الوحيد في عالمه، والوحيد الذي لا أحد يجرؤ على الاقتراب منه، رغم إعجابهم الغامض به.