فاتورةُ الدّمِ البارد وحرائقُ القهر
الفصل التاسع عشر
بينما كان الصمتُ ينهشُ الأرواح، تعثرت يدُ جاسر بورقةٍ رابعة كانت قابعةً في القاع، مدفونةً تحت أثقالِ العقود الثلاثة كأنها سرٌّ لا يطاق، سحبها بوجلٍ وقرأها وسط ذهولٍ شلَّ أركانَ المكان، فكانت كلماتُ الملكِ فيها صرخةً من عالمِ البرزخ: "ها أنا الملكُ، بكاملِ قوايَ العقلية، أشهدُ على تمليكي لكافةِ الأملاكِ والمدخراتِ والأموالِ البنكية لمروى؛ فما كان هذا جزاءً إلا لما كسبت يداكم، أنتم يا أولادي وبناتي الأربعة الذين جرعتموني مرارةَ العقوقِ بفظاظتكم، ورحلتكم خارج البلاد فلم تذكروني بسؤالٍكم ستِ مراتٍ حتي باهتة طيلة تسعِ سنواتٍ عجاف، كنتم تعاملونني كجثةً هامدةً لا تصلحُ إلا لتكونَ مصرفاً للمالِ المجاني، كنتم أسوأَ غرسٍ جنيته، بينما كانت مروى تفعلُ ما عجزتم عن إدراكه طوالَ عمركم في ثماني سنواتٍ فقط، وحين هجرتُموني في مرضي خوفاً مني، ضحت هي بنفسها لأجلي.. توقيعُ الملك." سقطت الكلماتُ فوق رؤوسهم كصاعقةٍ مزقت دجى الليل، فتركتهم عرايا أمام خطاياهم، يواجهون حقيقةَ أنهم لم يفقدوا الثروةَ فحسب، بل فُضحوا بمدادٍ من قهرٍ لا يمحوهُ ندم.