زفرات الغيره
الفصل السابع عشر
انفتح البابُ فجأة عن جسدٍ يفيضُ بروداً، تسلل منه رجلٌ لم يُعرف له ملامح سوى الجمود، كأنما نُحت من صخرٍ أصمّ، تقدم بخطواتٍ موزونةٍ تدقُّ فوق البلاط كأنها نعيٌ مؤجل، ثم ألقى بصوته الرخيم الذي شقَّ صمت القاعة قائلاً بلهجةٍ لا تقبل الجدال: "أنا المحامي الخاص بالملك، وقد جئتُ أُتمم ما أثقلني به من وصايا، تلك التي تُقلب صفحاتها بين أيديكم الآن، حضرتُ لأسلمكم هذه الأوراق التي تخص مروى، فتفضلوا." ألقى بالكلمات كأنها قنبلة موقوتة ورحل، مخلفاً وراءه عباءةً من الغموض الذي لا ينقضي، انسحب عبر بوابات القصر العتيقة دون أن يلتفت، تاركاً خلفه حيرةً تنهشُ الوجوه، ونظراتٍ حارقةً تبادلها الإخوة، حيث اشتعلت نيران الغيرة في صدورهم من اسم "مروى" الذي تردد في أرجاء المكان كتعويذةٍ مشؤومة. وفي تلك اللحظة التي حبست فيها الأنفاس، قرروا فكَّ أسرار تلك الورقة، فتقدم جاسر بخطىً حذرة، وكأن الأرض تحت قدميه قد بدأت تميد، ممسكاً بالورقة التي تختبئ بين ثناياها أقدارهم، وبدأ يقرأ بمرارةٍ ما كُتب، بينما كانت عيون الجميع تتربص بكل حركةٍ من شفتيه.