خارج الحسابات
الفصل السادس عشر:
انفتحت الأوراقُ بصريرٍ يشبه أنين الموتى، وانكشفت السطورُ . خيّم الذهولُ على الوجوه، وامتزجت الصدمةُ بمرارةِ الحزن، واشتعلت الغيظُ في الصدور ليتحول إلى غيرةٍ تأكل الأخضر واليابس. تقدمت "نجوى" بخطواتٍ متعثرة، وبأصابع مرتجفة بدأت تتلو الكلمات التي زلزلت أركان القصر: "أوصي أنا الملك، وأنا في كامل قواي العقلية، بتوزيع كل ثروتي من قصرٍ وفيلات، وبيوتٍ وشركات، ومحلاتٍ وتجارة، وأموالٍ وحسابات بنكية.. تُنقل جميعها إلى ملكية (مروي)، ويُمنح بقية الأبناء مائة وخمسين ألف جنيه مصري فقط لا غير، لا زيادة عليها ولا نقصان".
سقطت الكلمات كالصواعق، فكادت "مروي" أن تفقد وعيها تحت ثقل هذا الكرم المفاجئ والمصير المحتوم، بينما اشتعلت نيران الحقد في عيون البقية، وكأنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة في جحيم الغيرة. قطعت "نجوى" هذا الذهول بصرخةٍ مخنوقة، والشر يتطاير من عينيها: "هذا ليس شرعاً! ثروة الملك لأبنائه، لا يمكن لغريبةٍ أن تبتلع تاريخنا في لحظة!"، أما "مروي" التي كانت تصارع ذهولها، فقد ردت بنبرةٍ يكسوها الانكسار والزهد: "انا مكنتش اعرف، ولا تمنيتُ يوماً ارث زيكم.. إن كانت هذه الأملاك هي ثمن صمتكم، وإن كانت ستجعلكم تتركوني في حالي، فخذوها جميعاً، أنا لا أريد من حطام الدنيا شيئاً".
ولكن، وقبل أن تكتمل كلمات التنازل، شقّ سكون الليل صوتٌ آتٍ من بعيد، صوتٌ له هيبةُ القبور ووقارُ الحق القديم، جعل الرقاب تشرئب والعيون تجحظ نحو الخارج في ذهولٍ أشدّ مرارة مما قرأوه؛ فقد كان الطارق الجديد يحمل وجهاً لا يُخطئه أحد، وجهاً جعل الجميع يتساءل: أين كانت الحقيقة تختبئ طوال هذه السنين؟