سقوط الأقنعة عند عتبة الذهول
الفصل الثالث عشر
تراصت اقدامهم فوق رخام الردهة وكأنهم يطؤون فوق جمر خامد، كان القصر يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد رحيل سيدهُ، غارقاً في صمت جنائزي لا يقطعه إلا حفيف ثيابهم وهي تنهب درجات السلم الصاعد نحو الطابق العلوي. هناك، حيث تضيق الممرات وتتربص الظلال، انسلخ الأبناء عن صمتهم المصطنع وانفجروا في وجه "مروي" دفعة واحدة إلا نجوي كانت تشاهد فقط ، وكأن أبناء الملك كانوا ينتظرون غياب الضوء لتبدأ حفلة النهش؛ صرخوا فيها بكلمات جافة خالية من الرحمة: "ما الذي يبقيكِ في دارٍ لم تعد دارك؟ إن ذاك الذي انتشلكِ من العدم ومنحكِ ظله الان تحت التراب، فبأي حق تدنسين هذا الإرث بوجودك؟ ارحلي الآن، فالمكان هنا لا يتسع إلا لمن تجري في عروقهم دماء الملك"، وبينما كانت نظراتهم تحاصرها، انسلّت "نجوى"عن صمتها من بينهم بابتسامة باهتة تشبه اصفرار الموت، ملامحها تحمل شراً دفيناً و اخيرا نطق لسانها قائلا : "ربما راودتها غريزة الانتماء للخدم، لعلها تبحث عن مكنسة ومئزر لتكمل ما تبقى من عمرها وصيفة في بلاطنا الذي لم يكن يوماً لها". في تلك اللحظة التي بلغت فيها القسوة ذروتها، انشق السكون على صوت خادمة الطابق السفلي وهي تقف عند أسفل الدرج بملامح شاحبة، قائلة بنبرة مرتعشة إن هناك طارقاً غامضاً ينتظرهم بالأسفل، وقد أصرّ على إخفاء هويته و رفض الإفصاح عن اسمه تماماً. تبادل الأبناء نظرات الحيرة الممزوجة بالكبرياء، وارتدوا على عجل أقنعة الحزن الزائف التي لم تكن تستر جشع نفوسهم، متمتمين باستنكار: "من هذا الأحمق الذي يطرق أبوابنا في ذروة فجيعتنا؟ ألم يدرك أن الموت قد خيّم فوق هذا القصر، وأن الحزن على الملك قد سلبنا الرغبة في رؤية البشر؟". لكن "مروي" لم تمنحهم ترف الثرثرة الطويلة، بل قطعت طريقهم بنظرة حادة وردت على الخادمة بهدوء : "نحن نازلون يا أم عمر، "، ثم تحركت كأنها تقودهم نحو قدر محتوم، وما إن نزلوا الدرج وواجهوا ذاك الغامض، حتى تيبست الدماء في عروقهم وتلاشت الكلمات فوق شفاههم من فرط الصدمة..............