وجوه تحزن ......... و قلوب لا تحزن
الفصل الثاني عشر
سار أبناء الملك، ومروي بينهم الي المدفن ، سارو خلف الجثمان في صمتٍ لم يكن وقارًا، بل فراغًا خاليًا من أي معنى. كانت الخطوات منتظمة، باردة، كأنهم يؤدّون طقسًا محفوظًا لا يخصّهم. لم يكن في وجوههم أثر فاجعة، ولا في أعينهم سؤال… فقط نهاية تُستكمل كما يجب، لا كما تُحسّ.
كان من المفترض أن يدفنه أبناؤه بأيديهم، أن يواجهوا اللحظة التي تُسقط كل شيء، لكنهم توقفوا قبل أن تلامس أيديهم التراب. تراجعوا، لا رهبةً… بل نفورًا و تقززا انطلقت كلماتهم مبتذلة، حادّة، تحمل ضيقهم و تقرفهم أكثر مما تحمل وداعًا. رأوا في المشهد قذارة لا تليق بهم، لا نهاية رجلٍ كان يومًا كل شيء. وببرودٍ لا يُفسَّر، سلّموا الأمر إلى ذلك الرجل…
ذاك الذي يقف دائمًا عند الرحيل، والذي اعتادوا أن ينادوه بما يُشبه الإهانة، كأن قربه من الموت يُنقص من قيمته.تلك اتقدّم هو وحده.لم يتردد، لم يتأفف.
تعامل مع الجسد كما لو أنه يحمل بقايا حكاية، لا عبئًا يجب التخلّص منه. وحين انهمر التراب، لم يكن الصوت عاليًا… لكنه كان كافيًا ليُعلن أن كل شيء قد انتهى ...
ذهبوا جميعا للعزاء
وهناك… تغيّر كل شيء، أو هكذا بدا.
ارتدوا وجوهًا أخرى، وجوهًا تعرف كيف تبكي في الوقت المناسب. انحنت الرؤوس، وارتفعت الأيادي بالدعاء، وانهمرت الدموع… لكنها لم تكن صادقة. كانت باردة، متقنة، تُشبه أداءً متدرّبًا أكثر مما تُشبه حزنًا حقيقيًا.
كل شيء كان مضبوطًا… إلا الشعور.
أما مروي، فلم تستطع أن تكون مثلهم، فهي لن تستطيع أن تتماسك. كان بداخلها شيءٌ ينكسر، بهدوءٍ مؤلم. لم يكن حزنها على مالٍ سيضيع، ولا على مكانةٍ قد تتغيّر… بل على ذلك الإحساس القديم، الذي عاد ليطرق قلبها بلا رحمة.
الفقد…
حين يعود، لا يأتي كما كان.
كان أشدّ، أعمق، وكأنه لا يخصّ هذه اللحظة وحدها، بل كل لحظة سبقتها. كأنها لا تفقد الآن فقط… بل تستعيد كل ما فقدته من قبل، دفعةً واحدة.
وبعد أن انتهى العزاء، وعاد كل شيء إلى صوته العادي،ذهبوا إلى القصر.
دخلوه كما خرجوا منه من قبل… لكنّه لم يكن كما كان.
الجدران صامتة أكثر مما ينبغي، والهواء ثقيل، كأن المكان نفسه يعرف ما لا يُقال. كل شيء في القصر بدا ثابتًا… إلا الإحساس.
ظنّت مروي، ولو لوهلة، أن موت الملك قد يُغيّرهم، أن النهاية قد تُلين ما قسا بداخلهم. تعلّقت بفكرةٍ صغيرة، بالكاد تُرى… لكنها كانت كافية لتمنحها أملًا مؤقتًا.
لكن بعض القلوب… لا تمسّها النهايات.
وحين استقرّوا في الداخل،
لم تجد ما انتظرته…
بل وجدت الحقيقة،
كما هي—باردة، كاملة،
ولا تُخطئ طريقها إليها.