محاولة
في منتصف الليل، أمام ملجأ Cypress Tree (شجرة السرو)، كان صوتان يتبادلان أطراف الحديث وسط سكون الليل وهمسات المطر.
تنهد صوت أنثوي قائلًا:
«هل يجب تركها هنا؟»
أجابه صوتٌ آخر، بنبرة حاسمة:
«لا خيار أمامنا يا ألما.»
همست ألما بقلق:
«هل تظن أن هذا الملجأ جيد لطفلتنا، يا محمد؟»
ردّ محمد بثقة:
«أنا متأكد أن منظمة تجلب الأولاد إلى هذا الملجأ.»
صمتت للحظة ثم تمتمت:
«حسنًا...»
مدّ محمد يده إلى جرس الملجأ ودقّه، بينما امتزجت أصوات السراب الباكية مع وقع المطر المنهمر.
غادرا... ألما ومحمد.
قالت ألما، وصوتها يرتجف:
«أنا خائفة على ابنتي... هل سنراها بعد اليوم؟»
أجابها محمد:
«لا أظن ذلك.»
قالت وهي تبكي:
«يا محمد، عدني... عندما تنحل كل هذه المشاكل، سنعيدها.»
تنهد محمد بحسرة، وقال:
«لن أعدك بشيء لا أظنه سيتحقق، يا عزيزتي... آسف، هذا لمصلحتها.»
✦✦✦
مرّت عشر سنوات...
قال صوت:
«هيا، لا تجادليني، يجب أن تأكلي وتنامي.»
ردّ صوت آخر غاضبًا:
«لا، يجب أن أبحث. لمَ تفعلين بي هذا؟! يا جوزاليف!»
قالت جوزاليف برفق:
«لماذا لا تفهمين؟ لقد رحلوا ولا أعرف أين هم، وإيطاليا بلاد خطيرة على الأطفال، يا سراب...»
صرخت سراب:
«أنا لست طفلة يا جوزاليف! اليوم قد أتممتُ عشر سنوات من عمري، أنا مسؤولة عن نفسي الآن، لماذا لا تفهمين هذا؟»
قالت جوزاليف:
«حسنًا... إذًا أريد أن أسألك سؤالًا.»
«ما هو؟» سألت سراب.
«هل تعرفين اسمهم؟ كنيتهم؟ هل تعرفين شكلهم؟»
ردّت بصوت خافت:
«لا، ولكن...»
قاطعتها جوزاليف:
«إذا صادفتِهم، هل سيتعرفون عليكِ؟ حتى لو عرفوكِ، هل سيأتون؟ هل سيرغبون بكِ؟ أو هل هم في البلاد؟ أو على قيد الحياة؟ آسفة يا صغيرتي، لكن أنا أقول الصدق.»
قالت سراب بهدوء:
«أعرف يا خالتي جوزاليف، وأنا أُقدّر هذا، ولكن سأمكث هنا بشرط.»
«ما هو؟» سألت جوزاليف.
«عند بلوغي خمس عشرة سنة، ستتركيني أذهب.»
(تفكر في عقلها: ستنسى بعد عدة أيام...)
قالت مبتسمة:
«حسنًا يا ابنتي سراب.»
هتفت سراب بفرح، وعيناها تلمعان:
«شكرًا يا خالتي... أنتِ الأفضل!»
✦✦✦
وبعد أربع سنوات، وتحديدًا في 24 يوليو...
استيقظت سراب باكرًا، وجهزت حقيبتها. جمعت أغراضها الشخصية وبعض الملابس، وارتدت قميصًا قصيرًا فوق سرّتها، وسروالًا قصيرًا يصل إلى أعلى ركبتيها.
عند الساعة الثامنة وأربعين دقيقة صباحًا، رأتها جوزاليف في طريقها إلى الخارج.
سألتها بحيرة:
«إلى أين أنتِ ذاهبة يا عزيزتي، في هذا الصباح الباكر؟»
أجابت سراب:
«إلى قدري.»
قالت جوزاليف، وعلامات الحيرة تعلو وجهها:
«لم أفهم... ولماذا حقيبتك معك؟ هل هناك رحلة ما؟»
ابتسمت سراب وقالت:
«هل نسيتي؟ لقد وعدتني قبل أربع سنوات بأنكِ ستسمحين لي بالذهاب للبحث عن أمي وأبي بعد إتمامي الخامسة عشرة.»
تلعثمت جوزاليف:
«هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين الذهاب وترك الملجأ، يا صغيرتي؟ وأنا التي ربيتكِ منذ نعومة أظافرك... أنا أمكِ.»
قالت سراب:
«نعم، أنتِ التي ربيتني، ولكن أريد أن أرى أمي التي حملتني تسعة أشهر... أرجوكِ، قدّري موقفي.»
أجابت جوزاليف بقلق:
«أنا خائفة عليكِ... إيطاليا مكان صعب، وما زلتِ صغيرة على هذا العالم الموحش.»
قالت سراب بحزم:
«تعرفين أنني أحب المواجهة، وأنا قوية كما تعرفين، ولن يقدر عليّ أحد.»
قالت جوزاليف:
«سؤال فقط... أين ستذهبين وأنتِ لا تملكين شيئًا؟»
ابتسمت سراب بثقة:
«سأتدبر أمري، يا أمي... لا تخافي.»
قالت جوزاليف:
«حسنًا، قبل أن تذهبي، سأعطيكِ شيئًا... فقط انتظري بضع دقائق.»
قالت سراب:
«حسنًا.»
✦✦✦
بعد دقائق قليلة...
عادت جوزاليف تحمل علبة صغيرة، ومدّتها إلى سراب قائلة:
«تفضلي، هذه يا سراب.»
أخذتها سراب وسألت:
«ما هذا؟»
أجابت جوزاليف:
«هذه العلبة تحوي شهادة ميلادك، وقلادة فيها صورة امرأة ورجل وطفل صغير... كما تحتوي على ظرف فيه مبلغ معتبر من المال.»
أمسكت سراب القلادة، وتفرّست في ملامح الصورة، ودموعها تترقرق في عينيها:
«هذه أمي، وهذا أبي... وأنا معهم، أليس كذلك؟»
ثم قلبت القلادة، فرأت اسمًا محفورًا خلفها:
"السراب جيوفاني"
ابتسمت سراب وقالت:
«كنيتي جيوفاني... أليس كذلك؟»
أومأت جوزاليف:
«نعم يا ابنتي، وتلك عائلتك يا عزيزتي... كنتُ أعلم أن هذا الوقت سيأتي لا محالة.»
قالت سراب:
«شكرًا على كل ما قدمته لي حتى هذه اللحظة، لن أنسى جميلكِ ما حييت. وإذا وجدتُ والديَّ، سأعود وأخبركِ... وسترين طفلتك تصبح أجمل أم.»
قالت جوزاليف، وعلى وجهها حزنٌ مختلط بابتسامة:
«أودّ ذلك بشدة، يا عزيزتي... لن أنساكِ. وسأسمي ابنتي باسمكِ المميز، الذي لم ولن أجد مثله. سأسميها "سراب"، رمزًا على محبتي لكِ، يا ابنتي.»
قالت سراب بامتنان:
«هذا شرف لي يا أمي... ولكن، ألم تريدي ولدًا؟ لماذا لستِ حزينة؟»
قالت جوزاليف بحنان:
«عرفتُ أن الجمال بنت، وأن الحنان بنت، وأن العطف بنت... فلمَ لا أريد بنتًا؟ أودّها أن ترث طبعكِ.»
قالت سراب بتأثر:
«لطالما وددت أن أكون بليغة مثلكِ في تفكيركِ، يا أمي جوزاليف... لكن الآن عرفت أن لكل شخص شخصيته وطبعه... فأرجو أن "السراب الصغيرة" ترث ضحكتكِ التي لا أشبع منها أبدًا.»
ردّت جوزاليف، والدموع تكاد تغلبها:
«حسنًا يا عزيزتي... اذهبي إلى قدركِ، فلا أريد أن أؤخر وقتكِ.»
قالت سراب، وهي حزينة قليلًا لفراق جوزاليف:
«مع السلامة... يا أمي.»
ثم أخرجت جوزاليف من جيبها أسوِرة حمراء جميلة، وألبستها لسراب.
قالت:
«هذه هدية عيد ميلادكِ... وددتُ لو احتفلتُ به معكِ ومع أطفال الميتم. احتفظي بها، فهي رمز على محبتي، وشوقي الذي يعتصرني لمقابلتكِ من جديد. ارتديها دائمًا... وتذكريني.»
قالت سراب:
«حسنًا... لن أخلعها أبدًا، وسأعتز بها مثل قطعة من روحي.»
✦✦✦
ذهبت سراب، بينما بقيت جوزاليف تحدّق بها، والحزن بادٍ على ملامحها. همست في نفسها:
«لن يطول غيابكِ عليهم أكثر... أتمنى أن يكونا قد حلا مشكلة منظمة ALF...»
ثم سُمعت خطوات تقترب من خلفها، وصوت يقول:
«لا تخافي... هذه ابنة ألما ومحمد... لن يقع لها مكروه. ثقي بي، يا عزيزتي.»
كان ذلك صوت زوجها "جان"، الذي اقترب منها وقبّل جبهتها، وقال:
«الآن ركّزي على صحتكِ... وصحة ابنتي.»