بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الثالث والأربعون بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والأربعون بعد المئة

الفصل الثالث والأربعون بعد المئة

••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳 •• ꧁꧂ ꧁꧂ ꧁꧂ فجأةً… تلاشت الضوضاء كما يتلاشى رماد نار كانت تلتهم الهشيم منذ لحظات. حلّ صمتٌ ثقيل لم يأتِ تمهيدًا ولا سبقته إشارة، صمتٌ غريب كأن أحدًا سحب الضجيج من المكان دفعةً واحدة وترك خلفه فراغًا مريبًا. لم يعد هناك صراخ، ولا شتائم، ولا طرقات عنيفة على الباب. لم يبقَ سوى همهماتٍ بعيدة وأصواتٍ جديدة لا تكاد تُسمع، كأنها ظلال أصوات تتسلل من خلف الجدران....ما الذي جرى…؟ حتى هي نفسها استغربت ذلك الهدوء المريب الذي حل على حين غفلة . كان الهدوء من النوع الذي لا يبعث الطمأنينة، بل يثير القلق ويوقظ الحذر في أعماق الروح. نهضت من مكانها ببطء، وقلبها يخفق في صدرها بخفقاتٍ متلاحقة،اتجهت نحو الباب بخطواتٍ مترددة، وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد مألوفة. أرادت أن تتأكد بنفسها مما يحدث خلف ذلك الباب الذي صار يفصلها عن عالمٍ مجهول النوايا.لكنها، وقبل أن تصل إليه، توقفت. تراجعت خطوة… ثم أخرى و تصلبت في مكانها وهي تفكر....ربما تكون هذه حيلة…ربما يحاولون استدراجها… خداعها لتفتح الباب بنفسها. عادت أدراجها بخطواتٍ هادئة، تمشي على رؤوس أصابعها، كأنها تخشى أن يفضح صوت خطواتها وجودها، رغم أن معظم تفكيرها كان معلقًا بما يحدث خلف ذلك الباب… خلف الحاجز الوحيد الذي يفصلها عنهم. في الخارج… كانوا يقفون أمام الباب كأبراجٍ صلبة لا تهتز، كذئابٍ جائعة تحيط بفريستها وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. في عيونهم بريقٌ قاسٍ يوحي برغبتھم في سفك دمها. كان جاسر يقف في المقدمة، والغضب يتصاعد منه كالدخان. مدّ يده نحو قفل الباب، وقد أوشك أن يكسره باندفاعه الأعمى. لكن ما حدث في تلك اللحظة أوقفه. اقتربت منهم امرأةٌ أجنبية يرافقها زوجها. كانت ملامحهما متجهمة، تمتزج فيها علامات الانزعاج بالغضب الواضح من الضجيج الذي ملأ المكان منذ دقائق. تقدمت المرأة خطوة وقالت بلهجة إيطالية حادة/ Ma cosa state facendo qui? Avete disturbato tutti i vicini! الترجمة الى العربية/ما الذي تفعلونه هنا؟ لقد تسببتم بإزعاج جميع الجيران! التفت إليها عاصم فورًا. ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه، ابتسامةٌ حاول بها أن يخفف الموقف ويصرف انتباههما. قال معتذرًا بنبرة إيطالية ھادئة كان يتقنها بحكم طبيعة عمله / Ci scusiamo per il disturbo. Stiamo cercando nostra sorella da questa mattina, non risponde alle nostre chiamate. Abbiamo avuto paura che le sia successo qualcosa. الترجمة الى العربية/نعتذر عن الإزعاج. نحن نبحث عن أختنا منذ الصباح، ولم تجب على اتصالاتنا، فخشينا أن يكون قد أصابها مكروه. لم يخفَ على المرأة ولا زوجها شيءٌ من ملامحهم. كانت وجوههم مشدودة بالغضب، وعيونهم لا تحمل أي نيةٍ طيبة.ثم إنهما يعرفان رتيل جيدًا. يعرفان أنها…لا عائلة لها هنا. أدرك الزوجان فورًا أن وراء هؤلاء الرجال مصيبة كبيرة. تبادلا نظرةً سريعة فهم كلٌ منهما ما يجول في خاطر الآخر، ثم التفت الزوج إلى عاصم وقال بنبرة هادئة يتخللھا الحزم / Credo che abbiate sbagliato indirizzo. Qui vive una donna anziana, molto grande di età e quasi sorda. Vive con suo nipote… e credo che oggi siano fuori casa. الترجمة الى العربية/أعتقد أنكم أخطأتم العنوان. التي تعيش هنا امرأة عجوز كبيرة في السن، مصابة بالطرش تقريبًا، وتعيش مع حفيدها… ويبدو أنهما خارج المنزل اليوم. تبادل الرجال نظرات بين التصديق والشك…والإحباط. أخرج عاصم هاتفه بسرعة وفتحه على صورة رتيل، ثم قربه الى الزوجين قائلاً/ Conoscete questa ragazza? الترجمة الى العربية/هل تعرفان هذه الفتاة؟ نظر الزوجان إلى الصورة نظرة خاطفة، لكنهما لم يُظهرا أي رد فعل قد يفضح كذبتهما البيضاء. هزّا رأسيهما بالنفي بهدوء. قالت المرأة مؤكدة ما قاله زوجها/ Noi siamo i residenti più vecchi di questo edificio e conosciamo tutti i vicini. Non abbiamo mai visto la ragazza di cui state parlando. الترجمة الى العربية/ نحن أقدم سكان هذه العمارة، ونعرف جميع الجيران. لم يسبق لنا أن رأينا الفتاة التي تتحدثون عنها. في تلك اللحظة تقدّم جاسر بخطوات غاضبة نحو عاصم، وقد اشتدت ملامحه قسوة. قرب رأسه قليلًا الى اذن عاصم وقال بصوتٍ خافت بين أسنانه المطبقة /يعني بحياتك ما راح تفيدني بشي… جيبهم وتعال عالسيارة. كانت نبرته مشحونة بغضبٍ مكتوم، كأن الكلمات نفسها خرجت من بين أنياب وحشٍ جريح. ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، واتجه نحو الدرج بخطواتٍ عنيفة، كوحشٍ ثائر لا يجد أمامه سوى الفرار من خيبةٍ تشتعل في صدره. غادر العمارة. أما عاصم، فقد وقف لحظة يشرح الأمر لوالده وفارس، ثم التفت إلى الزوجين معتذرًا بلطفٍ مصطنع، قبل أن يغادر هو الآخر مع البقية. خرجوا من العمارة يجرّون خلفهم غضبًا خامدًا وإحباطًا ثقيلًا، كأنهم خرجوا مهزومين من معركة لم يخوضوها حتى النهاية. ما إن تأكد الزوجان من مغادرتهم حتى أسرعا إلى شقة رتيل.طرقا الباب بخفة، طرقاتٍ حذرة لا تثير الانتباه. اقتربت المرأة من الباب حتى كادت تلتصق به، ثم نادت بصوتٍ خافت/Ratel… Ratel… سمعت رتيل النداء بوضوح لكن الخوف شلّ حركتها. خشيت أن تفتح الباب فتجد إخويھا واقفين أمامها… بقيت دقائق طويلة تفكر بين نفسها، وقلبها يتأرجح بين الحذر والرجاء.ثم اقتربت من الباب ببطء، ووضعت عينها على العين السحرية....لم ترَ سوى جارتها فرانشيسكا.... وزوجها ماتيو. تنفست بعمق وقد اطمأنت أخيرًا. ركضت مسرعة إلى غرفتها، وارتدت طقم صلاتها بسرعة، ثم عادت تفتح الباب. ما إن فُتح الباب حتى دخلت فرانشيسكا وزوجها بسرعة، وأغلقا الباب خلفهما بحذر. اقتربت فرانشيسكا من رتيل، وبدأت تحكي لها ما حدث في الخارج، وكيف واجهت هي وزوجها أولئك الرجال. كانت تتحدث بقلقٍ واضح وهي تتفحص وجه رتيل، تطمئن عليها، فقد كانت تعلم بنوبة الربو التي تهاجمها بين الحين والآخر. بعد أن انتهت من حديثها...ابتسمت رتيل بامتنانٍ صادق، وشكرتها بحرارة. ثم أخبرتها بقصة اختلقتھا في دقيقة التسعين ...قالت ان أولئك الرجال… أبناء عمها. ويريدون التخلص منھا ليحصلوا على حصتها من الميراث. بعد أن غادر كل من فرانشيسكا وماتيو… أغلقت رتيل الباب خلفهما ببطء. سار الصمت معها عبر الممر حتى وصلت إلى غرفة الجلوس. توجهت إلى الأريكة، نزعت طقم صلاتها ووضعته فوقها، ثم ألقت بنفسها بثقلٍ على الأريكة المجاورة. استسلم جسدها للإرهاق بينما كان عقلها يغرق في بحرٍ لا نهاية له من الأفكار. هل من الممكن أن يعودوا؟ هل صدقوا ما قالته فرانشيسكا؟ هل عليها أن تغيّر الشقة؟ لكن السؤال الأكبر، والأكثر إيلامًا....كيف عرفوا أنها تسكن في هذه العمارة؟ بل كيف عرفوا أنها في إيطاليا من الأساس؟ مدّت يدها خلف الوسادة الصغيرة التي تضعها خلف رأسها، وسحبت هاتفها ببطء.نظرت إلى الشاشة ثمّ اتصلت بهواجس… جاءها صوت هواجس عبر الهاتف مضطربًا، يتخلله قلق لا تخطئه الأذن/رتيل… إنتِ بخير؟ ليش ما رديتي على اتصالاتي؟ قالتها بسرعة، وكأن الكلمات تتسابق لتطمئن قلبها قبل أن تسمع الإجابة. أبعدت رتيل خصلات شعرها عن وجهها ببطء، وقد بدا عليها الإرهاق وكأنها خرجت لتوّها من معركة استنزفت روحها قبل جسدها. قالت بصوت متعب /لقوا مكاني… ساد صمت لثانية، ثم عاد صوت هواجس مشوبًا بالذهول /مين؟ ....كيف؟ ما فهمت… تقصدين إخوانك وأبوك؟ أغمضت رتيل عينيها للحظة، وكأنها تستجمع شتات ما تبقى منها ثم قالت /إيه… جوا للعمارة، وعرفوا الشقة اللي ساكنة فيها دقّوا الباب.... توقفت للحظة/ خليني أقول.... كانوا بيكسرونه وما خلّوا كلمة إلا قالوها...طعنوني بشرفي... انقطعت كلماتها، وتهاوت دموعها بلا إذن. مدت يدها تمسح دموعها بعجلة، وكأنها تحاول أن تُنهي ضعفها قبل أن يُفضح، ثم واصلت بصوت باكٍ /وش راح أسوي يا هواجس؟ اليوم مشت عليهم كذبة الجيران… بس بكرا وبعده.... ما راح يصدقون، لو سمعتيهم راح يقتلوني أكيد... قالت هواجس بنبرة تحاول أن تبدو ثابتة رغم ارتجافها الداخلي /رتيل، اسمعيني اهدّي و تنفّسي زين لا تجيك نوبة الربو... أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرت زفيرًا طويلًا مثقلًا بآلام الأيام، كأنها تُخرج ما تراكم في صدرها دفعة واحدة. تغيّرت نبرة هواجس إلى جدية حاسمة، وكأن القرار لا يحتمل التأجيل /رتيل، لازم تغيّرين الشقة… أو حتى تغيّرين المدينة… أي شي… المهم ما يلقونك. قالت رتيل بشك، وقد انعقد حاجباها /بس اللي محيّرني… كيف عرفوا مكاني؟ أنا ما قلت لأحد غيرك إنتِ ومازن ويامن… ردّت هواجس بسرعة /ما أدري كيف… بس إحنا مستحيل نخونك… لا تخلي الشيطان يلعب بعقلك… والله لو يقتلونا ما نقول… أساسًا هم اجو لحد باب بيتنا، وتهاوشوا مع مازن ويامن… بس مازن وقفهم عند حدهم، وقال لهم إننا ما نعرف شي عنك، ولا إنك جيتينا أصلًا. تنهدت رتيل، وكأن صدرها يضيق بكل كلمة تسمعها /طيب… الحين لازم أدور شقة… وألم أغراضي… قالت هواجس برفق /الله يعينك… ديري بالك على نفسك… مع السلامة. وأُغلقت الخط. وضعت رتيل هاتفها فوق بطنها، وشبكت يديها عليه، ثم رفعت رأسها نحو السقف تحدّق فيه بشرود عميق. كانت أفكارها تطاير كشرارات لا تهدأ... مشاهد من الماضي تتسلل إلى ذاكرتها...ضحكاتها مع إخوتها… دفء بيتها...كيف يمكن أن ينقلب كل ذلك إلى هذا الجحيم؟ ھمست في سرھا /كيف قدروا يسوّون فيني كذا؟ كأني أَمَة تُباع بصفقة ورقية اسمها الزواج… أليس هذا خياري؟ أليس هذا قراري؟ كيف قرروا كل شيء عني؟… استغفرت ربها بصمت، ثم نهضت. وقفت لحظات ويداها على خصرها، تنظر في الفراغ المبھم /من وين أبدأ؟… اتجهت إلى غرفتها، أخرجت حقيبة السفر، فتحت الخزانة وبدأت تُفرغها. كانت تطوي بعض الملابس بعناية، بينما تُلقي بالبعض الآخر بعشوائية تعبّر عن حالها. جمعت أوراقها وكتبها في حقيبة ظهر، وأخذت أدويتها وكل ما يخصها. سحبت الحقيبة إلى الممر، وضعت حقيبة الظهر فوقها، ثم همست /بأبقى يومين… لين ألقى شقة… فجأة، دوّى طرق على الباب. تجمّدت للحظة. ارتباكت وارتسم شيء من الخوف على ملامحھا… لكنها تماسكت. تقدمت بخطوات حذرة، ونظرت عبر العين السحرية. تنفست الصعداء قليلًا....لقد كانت صاحبة العمارة. تمتمت /يمكن عرفت. عادت بسرعة، ارتدت طقم صلاتها، ثم فتحت الباب. وقفت صاحبة العمارة بملامح مشدودة/ Ciao, Reteel. Ho saputo di quello che è successo oggi. Questo ha causato molto disturbo agli altri inquilini. Francesca mi ha detto che erano membri della tua famiglia, e potrebbe succedere di nuovo. Mi dispiace, ma devo chiederti di lasciare l'appartamento. Ti restituirò i tuoi soldi. الترجمة الى العربية/مرحبًا رتيل، لقد علمت بما حدث اليوم. لقد تسبب ذلك بإزعاج كبير لبقية السكان. أخبرتني فرانشيسكا أنهم من أفراد عائلتك، وقد يتكرر الأمر. يؤسفني أن أطلب منك مغادرة الشقة، وسأعيد لك أموالك. قالت رتيل بصوت خافت، يحمل استسلامًا مريرًا/ Va bene, signora… partirò domani. الترجمة الى العربية/حسنًا سيدتي… سأغادر غدًا. أومأت المرأة وقالت/ Non dimenticare di passare da me per lasciare le chiavi e prendere i soldi. الترجمة الى العربية/ لا تنسي أن تمرّي عليّ لتسليم المفتاح وأخذ أموالك. أومأت رتيل برأسها وأغلقت الباب ثم تمتمت بيأس /هذا اللي ناقصني . نزعت طقم الصلاة، وألقته جانبًا بإهمال، ثم أخذت تسير في الممر ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة لا تستقر. كانت ترتدي بيجامة من الساتان بلون وردي، سروالها طويل وواسع قليلًا، وقميصها مزين بأزرار سوداء تضفي عليه تناقضًا صارخًا مع نعومة اللون. كان شعرها الأسود القصير ينساب بخفة، يداعب خديها ويكاد يلامس كتفيها، بينما عيناها الرماديتان غارقتان في عمق التفكير، تعكسان صراعًا داخليًا محتدمًا… قرارات تتزاحم، تتدافع، وتتصادم داخل عقلها دون رحمة. طُرق الباب مرة أخرى. توقفت فجأة، التفتت نحوه، وظنت للوهلة الأولى أنها صاحبة العمارة. أسرعت بخطوات متعجلة، وقد غفلت عن ارتداء طقم صلاتها، بل وتجاهلت كل التحذيرات التي كانت تلقنها لنفسها قبل لحظات. فتحت الباب… وقبل أن تنطق،او تتبين ملامح الطارق، اندفعت لإغلاقه، لكن الباب لم يُغلق. تجمدت في مكانها عندما شعرت بقدمٍ تعيقها. جاءها صوته، منخفضًا، ملوثًا بالخبث /خدعتيهم، صح؟ بس أنا مستحيل تلعبيها عليّ. اتسعت عيناها، واشتعل الغضب في ملامحها، دفعت الباب بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ /ابعد يا واطي! راح أكلم الشرطة! ارتسمت ابتسامة ملتوية على وجه فارس، وقال بنبرة مستفزة /لا لا يا حلوة… وش جاب طاري الشرطة؟ أنا جاي أسهر الليلة مع زوجتي. اشتعل وجهها غضبًا، وصرخت بصوت عالٍ /زوجتك؟ من وين زوجتك يا الحقير؟! دفع الباب بعنف، فسقطت أرضا، ارتطم جسدها بالأرض، وشعرت بصدمة تجتاحها. دخل وهو يغلق الباب خلفه، وقال ببرود مخيف /لا تستعجلين يا كلبة....اليوم راح تصيرين زوجتي غصب عنك. نهضت بسرعة، تحاول الهرب، لكن قبل أن تخطو خطوتين، أمسك بشعرها بعنف، سحبها وأسقطها أرضًا من جديد. صرخت ألمًا، بينما قال بغضب متفجر، وعيناه تقدحان شرًا /وش قلتي لأبوك؟ ابن أخوك السكير؟ راعي السهرات؟ الحين راح تشوفين السكير وش يسوي… تحسبين راح أعدّيها لك؟ لااا!! تركها لثوانٍ، واتجه نحو الباب وأغلقه بإحكام. في تلك اللحظة… أدركت أنھا ....النهاية. نهضت بسرعة، تتعثر بخطواتها، تحاول الهرب قبل أن يعود، لكن لم تمضِ لحظة حتى سحبها مجددًا، وألصقها بالحائط بقوة. اقترب منها، بينما كانت تصرخ بلا وعي، لا تدري بأي لغة تتحدث، كل ما تريده… أن يسمعها أحد… أن ينقذها أحد. انهمرت دموعها، وقالت بتوسل يتقطع له القلب /تكفى لا تسوي لي شي.... تكفى حاولت دفعه، إبعاده، لكن قبضته كانت كالفولاذ، لا ترحم. كانت أنفاسه تقترب، ويداه تعبثان بأزرار قميصها، يحاول فتحها بعنف، وقال بصوت يحمل نية قذرة /راح أخليك تترجيني عشان أتزوجك… وليكون بعلمك أنا ما أتزوج وحدة مو بنت… بتكون سمعتك أسود من شعرك. اشتعل الغضب في عينيها رغم خوفها، دفعت يده بقوة، وصرخت /يا قليل المرجلة! بتلعب بشرف بنت عمك؟! تنهد باستخفاف، واقترب أكثر، وقال بسخرية لاذعة/مو إنتِ يا الواطية اللي بتعلّمينني المرجلة؟...حلو الانتقام، صح؟ شعرت أن جسدها يخونها، أن قواها تتلاشى/...لا... لا… همست في داخلها،ثم استجمعت ما تبقى من قوة، ورفعت قدمها لتدوس بها على قدمه بكل ما لديها. صرخ، وابتعد للحظة. لكن غضبه ازداد اشتعالًا، مد يده، أمسك قميصها، وسحبه بعنف حتى تمزق. وفي تلك اللحظة انكسر الباب و دخل… كان يسير عائدًا بعد يوم طويل، أعاد هاتفه إلى جيبه، واستمر في السير بخطى هادئة. كان يتأمل المباني من حوله، لم يعتد على سلوك هذا الطريق، لكنه ابتسم لنفسه....ما الضرر في التغيير؟ سرح في أفكاره، يخطط ليومه القادم…لكن ذلك الهدوء انكسر. صراخ؟! صراخ متواصل ينبعث من تلك العمارة. توقف.في البداية، عقد حاجبيه، وتردد. /يمكن شجار عادي… قال في نفسه، محاولًا تجاهل الأمر. تابع السير بخطوات مترددة… لكن الصوت عاد. هذه المرة....فتاة تستغيث ....الأغرب أنها بلهجة سعودية. استدار فجأة، وبدأ يركض، قلبه يخفق بعنف. دخل العمارة، تتبع الصوت، صعد الدرج بسرعة، يكاد يتعثر من عجلته. تمتم بحزم/مستحيل أتجاهل وصل إلى الشقة ....دفع الباب مرة…لم ينفتح. دفعه مرة أخرى…لا شيء. شدّ فكه ثم اندفع بكل قوته فانكسر الباب. دخل.... وما رآه… كان كفيلًا بإشعال الدم في عروقه. صرخت رتيل، وهي تحاول أن تغطي جسدها المرتجف /تكفى ساعدني! تكفى! لم يلتفت إليها. اندفع مباشرة نحو فارس، الذي التفت بصدمة، لكن قبل أن ينطق بكلمة، كانت قبضة رسيم قد هوت على وجهه. لكمة… ثم أخرى… ثم ثالثة… انهال عليه بلا توقف، بوجه مشدود وعينين تشتعلان غضبًا، حتى أسقطه أرضًا. لم يكتفِ، بل استمر يركله بقوة، يفرغ فيه غضبًا لم يفهم مصدره، حتى أبعده تمامًا عن رتيل. سقط فارس، عاجزًا عن الحركة. تنفس رسيم بحدة، ثم استدار نحو رتيل. كانت منكمشة على نفسها، تحاول ستر جسدها، وقد جُرّد قميصها، ولم يبقَ عليها سوى قميص صيفي بلا أكمام فوق حمالة صدرها. كانت ترتجف… خوف، خجل، صدمة… كل شيء تكدّس في ملامحها. اقترب خطوة… فارتدت للخلف بسرعة، حتى اصطدمت بجدار الممر، وقالت بصوت مكسور /تكفى ابعد… توقف فورًا. فهم ،فأشاح بصره عنها، ثم لمح طقم الصلاة. التقطه، وتقدم بخطوات هادئة، مدّه لها لكنها لم تستطع أخذه.كانت شبه منهارة… قدماها لا تحملانها، وجسدها يرتجف بلا سيطرة. تغيرت ملامحه إلى القلق، وقال بصوت خافت محاولًا طمأنتها /إنتِ بخير؟ تحتاجين مساعدة؟ لم تجب. تنهد، ثم تولى بنفسه لفّ طقم الصلاة حولها برفق، محاولًا أن يمنحها قدرًا من الأمان. جثا أمامها، دون أن يرفع نظره، وقال بهدوء /من هذا؟ تعرفينه؟ جاء صوتها مرتجفًا /ابن عمي...حاول يعتدي عليّ… أغمض عينيه للحظة، وكأن الغضب يشتعل في صدره، ثم قال /لا حول ولا قوة إلا بالله… رفع رأسه قليلًا، وقال بحزم /الحين راح أتصل بالشرطة. اتسعت عيناها بخوف، وقالت بسرعة /لا… الشرطة لا… نظر إليها بجدية /يا بنت، إذا تنازلتي… راح يرجع يسويها. أنا أنقذتك هالمرة، بس المرة الجاية… الله أعلم وش يصير. نهض. كانت تبكي بحرقة، تتوسل، ترجوه أن يتراجع. وقف يفكر ...وش جابني هنا؟ ثم حسم أمره والتفت إليها، وقال/لا تخافين… راح أتهمه بمحاولة قتل. ما أبي كلمة اغتصاب أو اعتداء تلتصق فيك… فاهمة؟ بس قبل كل شي، لازم تشرحين لي السالفة. بدأت تتحدث بسرعة، كلماتها متقطعة، تعطيه ما يحتاج من معلومات. كان الشك لا يزال يساوره، لكن حالتها… جعلته يميل لتصديقها. أخرج هاتفه… واتصل. خلال دقائق، وصلت الشرطة وأُلقي القبض على فارس وقدطُلب من رتيل أن تذهب معهم إلى المخفر" مجرد إجراءات روتينية " وقف رسيم عند باب الشقة ينتظرها. بعد لحظات، خرجت… ترتدي طقم صلاتها، وخمارها يغطي شعرها.كانت خطواتها غير متزنة. لاحظ ذلك، فتقدم نحوها بسرعة، لكنّها أشارت بيدها أن يتوقف، وقالت بصوت ضعيف إنها تستطيع المشي. تراجع و توقف في مكانه، حدّق فيها ثم أومأ برأسه متفهمًا، وترك لها المساحة التي طلبتها واحترم رغبتها. غادرا العمارة. كان الليل قد أرخى سدوله، والهدوء يلف المكان، إلا من صدى خطواتهما. عند باب العمارة، كانت هنالك سيارة مركونة... كانت سيارة رسيم فقد طلب من صديقه إحضارها. التفت إليها وقال بنبرة هادئة /يلا اطلعي عشان أوديك للمخفر. ترددت رتيل. وقفت لحظة، تتأرجح بين الرفض والاضطرار، لكن الحقيقة كانت أقسى من ترددها… لا حيلة لها. في هذا الوقت المتأخر، لن تجد سيارة أجرة، وجسدها المنهك يوشك أن يخذلها في أي لحظة. لم يبقَ لها… إلا هذا الرجل الغريب، الذي أصبح، على غير توقع، منفذها الوحيد للنجاة. تقدمت ببطء، فتحت الباب الخلفي، وصعدت. تبعها رسيم، فتح باب السائق، جلس خلف المقود، شغّل المحرك، وانطلقت السيارة تشق صمت الليل. لكن الشك… لم يغادره. ظلّ صامتًا للحظات، ثم قال، دون أن يلتفت إليها /يا بنت… إنتِ بخير؟ جاء صوتها خافتًا، واهنًا /بخير… شدّ على المقود قليلًا، ثم قال بنبرة يغلبها الحذر /عندك إثبات على القصة اللي حكيتيها لي؟ سؤال منطقي ...كان من حقه أن يشك. بل حتى هي… لم تستوعب بعد ما حدث لها. فتحت ھاتفھا على رسائلها مع هواجس ومازن قبل أن تغادر السعودية، ثم مدت الهاتف نحوه بصمت. أخذه، وألقى نظرة سريعة، ثم أطال القراءة قليلًا، وعيناه تتابعان السطور بينما يقود. شيئًا فشيئًا، خفّ التوتر في ملامحه… واستبدل بشيء أقرب إلى التصديق… بل إلى الشفقة. أعاد لها الهاتف دون تعليق. بعد لحظات، أوقف السيارة أمام مخفر الشرطة.ترجل أما هي… فبقيت في مكانها. الفكرة وحدها كانت كفيلة بشلّها؛ أن تنزل...أن تدخل… أن تُذكر تلك الكلمة...تلك الوصمة...اي فضيحة تلك ؟! اقترب رسيم، فتح الباب لها، وانحنى قليلًا، وقال بصوت خافت مطمئن /يلا لا تخافين أنا راح أكون هنا معك. أغمضت عينيها لثوانٍ، دعت ربها في سرّها، ثم نزلت. التفت إليها رسيم، وقال بسرعة /قلت للشرطة إني خطيبك… عشان يسمحون لي أبقى معك. رفعت نظرها إليه بدهشة وقبل ان تعترض، أمسك بيدها فجأة وقال بخفوت مستعجل /اسكتي الشرطي جاي ياخذك يحتاجون توقيعك على كم ورقة، لا تنسين... تهمة قتل وبس. مثّلي إننا مخطوبين خلّي اللي باقي من هاليوم يعدي على خير. سارت معه و يدها بين يده .وعقلھا … غارق في دهشة لا تقل عن خوفها. بعد استكمال الإجراءات، خرجا من المخفر. هذه المرة، كانت رتيل تسير أمامه، وخطواتها لا تزال مثقلة، بينما كان رسيم خلفها بخطوات متباطئة، متعمدًا أن يترك لها مساحتها، وألا يحرجها بالإمساك بيدها مرة أخرى. توقفت. لكنها لم تتجه نحو سيارته. وقفت على جانب الطريق، تنظر حولها، تبحث عن سيارة أجرة. عقد رسيم حاجبيه باستغراب /رتيل… لم تلتفت. كانت قد سمعته، لكنها تجاهلت صوته، وكأنها تحاول أن تقطع آخر خيط يربطها به. تنهد، وتقدم نحوها، وقال بنبرة أكثر ليونة /شايفة كم الساعة؟ ما راح تلقين أحد… خلّيني أوصلك. أجابت دون أن تنظر إليه، بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا /خلاص يا أخوي، مشكور إنك ساعدتني... أقدر أعتني بنفسي. أغمض عينيه للحظة، وزفر ببطء، ثم قال بصوت صادق، خالٍ من أي نية سوى الطمأنينة /رتيل ما راح أذيك...أنا عندي أخت ومثل ما أخاف عليها، أخاف على بنات الناس، ارتاحي. وفي تلك اللحظة انهارت...بكت....بكت بحرقة، بصوت مخنوق، كأنها كانت تؤجل هذا الانهيار حتى تجد مكانًا آمنًا تسقط فيه. كيف أن أهلها ،من لحمھا و دمها عاملوها بكل تلك القسوة وكيف أن غريبًا لا تعرفه... كان هو من مدّ لها يد النجاة. تغيرت ملامح رسيم إلى القلق /وش فيك يا بنت؟ ليه تبكين؟ القصة انتهت وابن عمك راح ينسجن... ليه تبكين؟ رفعت وجهها بصعوبة، وخرجت كلماتها متقطعة، تختلط بدموعها /أهلي... يدورون عليّ... عشان يقتلوني لأني هربت ما كنت أبي أتزوجه.... صاحبة الشقة طردتني...والصبح لازم أغادر... ما أعرف أحد… سكت. نظر إليها طويلًا.ثم قال بهدوء، وكأنه اتخذ قراره/راح أظل معك لين تلقين حل. هزّت رأسها بسرعة /لا لا...أنت مو ملزوم تساعدني. ردّ فورًا، بنبرة حازمة لا تقبل الجدل /ما راح أخليك لحالك وأنتِ بهالحالة. سكت للدقائق تاركا مجال التفكير لعقله... يبحث عن حل... أي حل.إنسانيته لم تسمح له أن يتركها. ثم…لمعت الفكرة. رفع نظره إليها /تقدرين تبقين في بيتي...لين تلقين شقة. تغيرت ملامحها فورًا، واشتعل الغضب في عينيها /انجنيت؟ أكيد لا! واستدارت مبتعدة. مرر يده على وجهه بضيق، ثم ركض خلفها. كانت لا تزال قريبة، خطواتها غير متوازنة، وكأن التعب والصداع والخوف يتآمرون عليها في آن واحد، والشارع شبه خالٍ، يغرق في ظلمة موحشة. أمسك بها قبل أن تبتعد أكثر /انتظري… خلّيني أكمل. التفتت إليه بعصبية، وقالت بحدة /اسمع! ماني رخيصة عشان أقعد في بيتك! وش تحسبني؟! ابعد يده بسرعة لعلها تهدأ ،ثم قال بسرعة/حاشا! ما قلت كذا إنتِ ما خليتيني أكمل . ثم أكمل بنبرة صادقة، واضحة /أنا ما راح أبقى معك إنتِ اللي بتكونين في البيت وأنا ما أجي إلا إذا احتجتي شي .والله شاهد إني ما أنوي لك شر ،بس أبي أساعدك لين تلقين شقة. نظرت إليه وفكرت لثوانٍ. كانت الخيارات أمامها معدومة… أو شبه معدومة. ثم قالت أخيرًا، بصوت هادئ، فيه استسلام ھادئ /أوكي... بس أحتاج أمر على شقتي عشان آخذ أغراضي. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه /تمام...يلا يا بنت الحلال. صعدا إلى السيارة، واتجها إلى شقتها ،أخذت أغراضها، أعطت المفتاح ولم تأخذ مالها فقد احتفظت به صاحبة الشقة كتعويض عن الباب. خرجت من العمارة فوجدت رسيم ينتظرها عند صندوق السيارة. تقدم نحوها، أخذ الحقائب من يدها دون تردد، ووضعها داخل الصندوق و أغلقه. ثم التفت فوجدها لا تزال واقفة، خافضة رأسھا ، أصابعها متشابكة ببعضها.اقترب منها، وقال بنبرة ھادئة يشوبھا لطف خفي /اطلعي… وش موقفك؟ ترددت.ثم قالت بصوت خافت /آسفة… توقف، ونظر إليها باستغراب /على إيش؟ قالت وعيناها لا تزالان مثبتتين على الأرض /تعبتك معي ابتسم... ابتسامة هادئة، خالية من أي تكلف، وقال /يلا اطلعي وارفعي رأسك إنتِ ما سويتي شي يخليك تنزلين رأسك. رفعت رأسها و نظرت إليه. عيناها الرماديتان كانتا تلمعان بدموع امتنان صادق… لولاه لكانت فقدت أغلى ما تملك. قالت بصوت صادق /مشكور… ردّ وهو يصعد إلى مقعده /العفو. فتحت الباب الخلفي، وصعدت. انطلقت السيارة وهي لا تعلم إلى أين يقودها هذا المنعطف الجديد من حياتها.لكنها، ولأول مرة منذ زمن…لم تكن وحدها. أما رسيم…فكان يقود بصمت، وعقله غارق في التفكير.سيترك لها الشقة ويبيت عند صديقه. كان يشفق على حالھا .لا تزال صورتها وهي خائفة، مرتجفة، لا تفارق ذهنه. لكن ما حيّره أكثر وأثقل صدره ...."عائلتها " كيف يمكن أن يفعلوا ذلك بابنتهم؟ إلى هذا الحد… أصبح الزواج إكراهًا… لا اختيارًا