الفصل السابع:
في مكانٍ آخر...
عادت "ديما" بسيارتها إلى البيت. انفتحت البوابة الكبيرة على مصراعيها بعد أن لمحها الحارس ولوّح لها بيده مرحباً. ترجلت من سيارتها بخطىً متثاقلة، لم يكن جسدها وحده المتعب، بل عقلها الذي استسلم تماماً لصورة ذاك "الوسيم"؛ وكأنه سلبها كل ما تملك، ولم يترك لها سوى طيفه يطارد أفكارها.
أدارت المفتاح في الباب ودخلت، لتجد والدتها "نادين" تجلس على الأريكة تتابع برنامجها المفضل.
ديما: أمي، أنا هنا.. مرحباً.
نادين (بتعجب): أهلاً يا ابنتي.. عدتِ باكراً، خير إن شاء الله؟
ديما (بتنهيدة): كانت عملية صعبة واستنزفت طاقتي، عدت لأرتاح قليلاً قبل أن أعود للمشفى ليلاً، فلديّ جراحة أخرى.
نادين: إذاً اذهبي لغرفتك فوراً، سأحضر لكِ الغداء ريثما تأخذين قسطاً من الراحة.
استدارت ديما نحو السلالم، لكن في تلك اللحظة، شعرت بدوار مفاجئ أظلم الرؤية أمام عينيها، لتسقط أرضاً فاقدة للوعي.
هبت نادين فزعة، وجثت على ركبتيها بجانب ابنتها، تلمس خصلات شعرها المبعثرة بقلبٍ يرتجف:
نادين: ديما! ابنتي.. ما بكِ؟ أجيبيني!
لم تجد نادين وسيلة سوى الاتصال بزوجها "محمد".
في المشفى (عند وليد)
كان العقيد "محمد" يجلس بجانب سرير "وليد" يطمئن عليه، بينما استند "راكان" إلى الحائط عاقداً يديه فوق صدره، وقال بابتسامة ساخرة:
راكان: وليد "لا تقلق لن يموت بعد ".. دائماً ما يقع في المشاكل.
ضحك راكان، ليفيق وليد على صوت ضحكاته، وردّ بتعب:
وليد: لا تفرح كثيراً، لم أمت بعد.. عندما أتعافى سنتحاسب.
العقيد محمد: يا لكما من طفلين! ألا يكفي شجاراً؟ لقد كبرتما على هذه التصرفات.
في تلك الأثناء، اهتز هاتف العقيد. فتح الخط ليأتيه صوت نادين مخنوقاً بالبكاء:
نادين: محمد! أسرع.. ديما أغمي عليها ولا تستجيب!
انتفض محمد من كرسيه والذعر يملأ وجهه: "ماذا؟ ما بها ديما؟!".
توقف قلب راكان للحظة. شعر بغصة غريبة تجتاح صدره، وخرج يركض خلف العقيد متسائلاً بلهفة:
راكان: سيدي، ماذا حدث؟ هل هناك خطب؟
محمد: ديما سقطت مغشياً عليها، لا أعلم ماذا جرى لها.. تحرك معي فوراً!
قاد راكان السيارة بجنون، بينما كان العقيد بجانبه يتنفس بصعوبة من شدة القلق. وما هي إلا دقائق حتى وصلا إلى المنزل. اقتحم محمد البيت ليجد ابنته ممددة على الأرض وزوجته تنهار بجانبها.
أما راكان، فقد تجمد مكانه لثانية؛ بدت ديما أمامه كأنها ملاك نائم، خصلات شعرها السوداء تداعبها النسمات العابرة من النافذة، لكن شحوب وجهها أرعبه.
تقدم إليها بخطى سريعة، وحملها بين ذراعيه برقة بالغة وكأنه يحمل قلبه بين يديه.
وضعها في المقعد الخلفي للسيارة بجانب والدتها،
بينما ركب العقيد في الأمام. انطلق راكان وهو يضغط على المقود بقوة، غاضباً من إهمالها لصحتها، وخائفاً من أن يصيبها مكروه.
محمد: ما الذي حدث بالضبط يا نادين؟
نادين: قالت إنها متعبة من العمل، وما إن همّت بصعود السلالم حتى سقطت.
محمد: لابد أنها أهملت طعامها كالعادة!
راكان (بصوت حازم): سنأخذها إلى أقرب مستشفى.
العقيد: وجهتنا إلى "مشفى نبض القلب".
وصلوا إلى المشفى، ترجل راكان وصرخ بأعلى صوته: "نقالة بسرعة! حالة طارئة!".
هرع المسعفون، وعندما حاول أحدهم أن يمد يده ليأخذ ديما من بين ذراعيه، قبض راكان على رسغ المسعف بنظرة حادة وشرر يتطاير من عينيه:
راكان: "إذا اقتربت منها.. سأدفنك مكانك!"
تراجع المسعف بذهول وخوف، فوضعها راكان بنفسه على السرير النقال واتجه بها إلى الداخل..
اتجه راكان بها إلى الداخل، حاملاً إياها ببطولة خائفة، وكأنه يحمل أثمن ما يملك ويخشى عليه من الانكسار. اندفع الأطباء والممرضون حولها بسرعة فائقة، منتزعين إياها من بين ذراعيه ليدخلوها إلى غرفة الطوارئ.
أُغلِق الباب العازل... وبقي الثلاثة في الخارج.
في تلك اللحظة، شعر راكان وكأن جداراً من الجليد قد نبت بينه وبين الحياة. تجمد مكانه، وعيناه معلقتان بلوحة "ممنوع الدخول" المضيئة فوق الباب، وكأن روحه قد تسللت معها خلف ذاك الباب ولم يبقَ منه سوى جسدٍ خاوٍ.
كان الصمت في الممر قاتلاً، لا يكسره سوى نشيج "نادين" المكتوم، وصوت خطوات العقيد "محمد" العصبية وهو يذرع الممر ذهاباً وإياباً، ويده تفرك وجهه بتوتر لم يره راكان عليه من قبل.
أما راكان، فكان يخوض حرباً داخلية شرسة. لم يكن يفهم طبيعة هذا الشعور الذي يجتاح كيانه؛ أهو مجرد خوف ؟ أم أن الأمر أعمق بكثير؟
تذكر وجهها الشاحب، براءتها وهي فاقدة للوعي، العطر الهادئ الذي علق بثيابه عندما حملها... كل تفصيل صغير كان يضرم النار في قلقه. كان يود لو يقتحم الغرفة، لو يصرخ في وجه الأطباء ليطمئنوه، لكنه اكتفى بالوقوف بصمت، شاداً عصبه حتى كاد ينقطع.
مرت الدقائق... لكنها بدت كأنها دهور ودهور.
فتح الباب أخيراً، وخرج الطبيب بملامح جادة ومنهكة. تقدم محمد بسرعة فائقة، وعيناه تتوسلان الإجابة:
محمد: دكتور، أرجوك... كيف حالها؟ ماذا بها؟
نظر الطبيب إليهم، مقدراً قلقهم، ثم قال بهدوء محاولاً طمأنتهم:
الطبيب: لا تقلقوا... تجاوزت مرحلة الخطر، وحالتها مستقرة الآن.
تنفست نادين الصعداء، وأطلقت زفرة طويلة محملة بالارتياح، بينما بقي راكان مركزاً في كل كلمة، عيناه تلتهمان تعابير وجه الطبيب بحثاً عن الحقيقة الكاملة.
محمد (بلهفة): ولكن، ماذا حدث لها لتسقط هكذا؟
الطبيب (بنبرة لوم هادئة): يبدو أنها أهملت نفسها تماماً. تعاني من إرهاق شديد، وانخفاض حاد في مستوى السكر في الدم، بالإضافة إلى نقص حاد في التغذية...
تجمدت ملامح محمد، وصعقته الحقيقة:
محمد: ماذا؟!
الطبيب: نعم، بناءً على التحاليل، على الأغلب لم تأكل شيئاً يذكر منذ فترة، ومع ضغط العمل الجراحي والعمليات المتتالية... جسدها لم يتحمل هذا العبء وانهار.
انفجرت نادين بالبكاء مجدداً وهي تمسح دموعها طرف شالها:
نادين: قلتُ لها مئات المرات أن ترتاح... تتناول طعامها... لكنها لا تسمع، دائماً العمل أولاً...
سكت الطبيب لحظة، ونظر إلى محمد بنظرة ذات مغزى ثم أضاف:
الطبيب: وهناك أيضاً علامات واضحة على إجهاد عصبي شديد... يبدو أنها كانت ترزح تحت ضغط نفسي كبير مؤخراً.
عند هذه الجملة... شعر راكان بوخزة قوية في قلبه. تذكر اللحظات التي قضاها معها، تذكر ملامحها القلقة، وتفكيرها الذي كان شادراً... هل كان هو، بطريقة ما، جزءاً من هذا الضغط؟ شدّ قبضته بقوة دون أن يشعر، حتى ابيضت مفاصله، وغلت الدماء في عروقه غضباً من نفسه، وغضباً من الظروف التي أوصلتها إلى هنا.
محمد (بصوت متهدج): دكتور، المهم الآن... هل هي
بخير تماماً؟
الطبيب: نعم، علقنا لها محلولاً وريدياً (Glucose) وبعض الفيتامينات الضرورية لتعويض النقص، وستستعيد وعيها خلال الدقائق القادمة...
لكن...
توقف لحظة، فخيم القلق مجدداً على وجوههم، وحبس راكان أنفاسه.
محمد (بخوف): لكن ماذا يا دكتور؟! تكلم!
الطبيب (بحزم): إذا استمرت على هذا النمط من
الإهمال والضغط... قد يتكرر الأمر، وربما يكون أخطر بكثير في المرة القادمة؛ جسدها يطلق صرخة
استغاثة.
يجب أن ترتاح، وتعتني بنفسها، وتغير نمط حياتها فوراً.
ساد صمت عميق، محمل بثقل الكلمات، وكأن الجميع يستوعب مدى خطورة الموقف.
الطبيب: يمكنكم الدخول لرؤيتها الآن، لكن رجاءً... دون إزعاج.
داخل الغرفة:::
كانت ديما ممددة على السرير الأبيض، وجهها لا يزال يحمل شحوب التعب، وأنبوب المحلول موصول بظهر يدها اليسرى، وكأنها طائر جريح يحاول التعافي.
اقتربت نادين منها ببطء، وجلست على طرف السرير، تمسك يدها الباردة وتبكي بهدوء، هامسة بكلمات حب ودعاء. أما محمد... فوقف عند قدمي السرير، ينظر إليها بعجز تام، ملامحه الصارمة انكسرت أمام ضعف ابنته الوحيدة.
لكن راكان...
لم يقترب كثيراً... بقي واقفاً عند عتبة الباب، متعمداً البقاء في الظل. لم يكن يريد أن يقتحم خصوصية العائلة، ولم يكن يريد أن يرى أحد الضعف الذي بدأ يتسلل إلى عينيه. وقف يراقبها فقط... عيناه مثبتتان عليها، تحملان مزيجاً معقداً من المشاعر التي لم
يستطع فك رموزها حتى هو... هل هو الخوف من فقدانها؟
أم الشعور بالذنب؟
أم أن هناك شيئاً أعمق..
شيئاً يرفض عقله الاعتراف به، بينما يصرخ به قلبه بوضوح؟...........
أتمنى أن تعجبكم روايتي.........
تم بحمد الله