الفصل الثالث
لكن…
لم يكن جميعهم صامتين بإرادتهم.
كان هناك من عرف الحقيقة…
أو على الأقل… شكّ بها.
في تلك الليلة…
جلس “الشيخ” وحده في غرفته الضيقة،
يداه ترتجفان…
وعيناه مثبتتان على الباب.
كأنه ينتظر شيئًا…
أو يخاف أن يأتي.
أخرج من تحت ثوبه ورقة قديمة،
مهترئة… وكأنها كُتبت منذ زمن بعيد.
قرأها بصوتٍ منخفض:
"حين يتحول الخوف إلى قانون…
تصبح الحقيقة جريمة."
أغمض عينيه بقوة…
ثم همس:
"سامحوني…"
طرقٌ خافت على الباب.
تجمّد.
صوتٌ بارد من الخارج:
"لقد حان وقتك."
فتح الباب ببطء…
فدخل رجلان من جنود الحاكم.
لم يقولوا شيئًا.
لم يحتاجوا لذلك.
في الصباح…
وقف شيخٌ جديد أمام الناس.
وجه جديد…
صوت جديد…
لكن الكلمات…
نفسها.
وفي الحشد…
كان “عامر” يراقب.
بعينين لا تخافان…
بل تبحثان.
لاحظ شيئًا لم ينتبه له أحد…
أن الشيخ الجديد…
لم ينظر في عيون الناس.
كان ينظر فقط…
نحو القصر.
ابتسم “عامر” ابتسامة خفيفة…
كادت أن تقتله.
اقترب منه نفس العجوز الذي حذره سابقًا،
وقال بخوف:
"هل جننت؟! لا تبتسم!"
نظر إليه “عامر” بهدوء، وقال:
"أتعرف ما هو الغريب؟"
ارتبك الرجل:
"ماذا؟"
اقترب “عامر” أكثر… وهمس:
"الشيطان… لا يحتاج لكل هذا الكذب."
اتسعت عينا العجوز…
وتراجع خطوة.
في تلك اللحظة…
شعر “عامر” بشيء غريب.
كأن أحدًا يراقبه.
رفع رأسه ببطء…
نحو القصر.
وهناك…
في أعلى البرج…
رآه.
الحاكم.
كان واقفًا في الظل…
ينظر مباشرة إليه.
ولأول مرة…
ابتسم الحاكم.
ابتسامة…
لم تكن طبيعية.
في تلك اللحظة…
فهم “عامر” شيئًا واحدًا:
"الخطر… ليس في الضحك."
بل…
فيمن يمنعه
🔥
لم يكن الخوف من الضحك مجرد عادة…
بل كان إيمانًا.
إيمانٌ ترسّخ في القلوب،
أقوى من الحقيقة…
وأقسى من الموت.
حتى لو لم يضحك “عامر”…
فلن يجرؤ أحد غيره.
ليس خوفًا على أنفسهم فقط…
بل على من لم يولد بعد.
كانوا يهمسون:
"إن لم تأخذك اللعنة اليوم…
ستأخذ أبناءك."
"ستولد أجيال مشوهة…
أو بلا عقل…
أو بلا روح."
وهكذا…
لم يعد الخوف شخصيًا.
بل أصبح…
وراثيًا.
في كل زاوية من المدينة…
في كل جدار…
في كل طريق مهجور…
كانت الكلمات محفورة.
اقترب “عامر” من صخرةٍ كبيرة،
مرّر يده على سطحها الخشن…
وقرأ:
"لا تضحك… الشيطان يراك."
ثم أخرى…
"ضحكتك… نهايتك."
وأخرى…
"الصمت نجاة."
رفع “عامر” عينيه ببطء…
ونظر حوله.
مدينة كاملة…
لا تحتاج حاكمًا.
الخوف وحده…
كان كافيًا ليحكمها.
ابتسم بسخرية خفيفة…
ثم قال في نفسه:
"حتى لو اختفى الحاكم…
هؤلاء لن يضحكوا."
وفي تلك اللحظة…
سمع صوتًا خافتًا خلفه.
"لأنهم… لم يعودوا يعرفون كيف."
استدار بسرعة.
فتاة.
كانت تقف بعيدًا،
تراقبه بعينين مختلفتين…
ليستا خائفتين.
قالت بهدوء:
"أنت غريب."
أجاب “عامر”:
"واضح."
تقدمت خطوة…
ثم همست:
"وأنت… تبتسم."
نظر إليها للحظة…
ثم قال:
"وأنتِ… لا تخافين."
سكتت.
لثوانٍ…
قبل أن تقول:
"الخوف… لا يمنع الحقيقة."
اقترب منها “عامر” أكثر،
ونبرة صوته أصبحت أخفض:
"إذًا… أنتِ تعرفين؟"
نظرت حولها بسرعة…
ثم قالت:
"ليس هنا."
ثم استدارت…
ومشت.
توقفت بعد خطوات… دون أن تلتفت:
"إذا أردت أن تفهم…
تعال ليلًا."
ثم اختفت بين الأزقة.
وقف “عامر” مكانه…
ينظر إلى حيث كانت.
وأول مرة منذ دخوله المدينة…
لم يكن يفكر في “الشيطان”…
ولا في “اللعنة”…
بل في سؤال واحد:
"ماذا يحدث… في الليل؟"
في نفس اللحظة…
في أعلى القصر…
كان الحاكم لا يزال يراقب.
لكن هذه المرة…
لم يكن ينظر إلى “عامر” وحده.
بل إلى الفتاة أيضًا.
وابتسامته…
اختفت.
🔥🔥🔥
اقترب “عامر” منها خطوة…
لكن قدمه توقفت فجأة.
"لماذا لا تقتربين؟"
رفعت “ليلى” عينيها نحوه…
وفيهما شيء لم يفهمه.
حزن… قديم جدًا.
قالت بهدوء:
"لأنني… لست هنا بالكامل."
تقدم أكثر…
ومدّ يده نحوها.
لكن…
يده عبرت من خلالها.
تجمّد.
تراجع ببطء…
وعيناه لا تفارقانها.
"ما أنتِ…؟"
أغلقت عينيها لثوانٍ…
كأنها تتعب من الإجابة.
ثم قالت:
"بقايا."
صمت.
"بقايا ماذا؟"
فتحت عينيها…
ونظرت مباشرة إليه.
"بقايا عائلة… حاولت الهرب."
سكتت لحظة…
ثم أضافت:
"فعاقبوهم."
شعر “عامر” بثقل في صدره…
"كيف؟"
أشارت ببطء إلى الأرض…
إلى حدود المدينة.
"تعويذة."
"حبستنا هنا…أجسادنا… وأرواحنا."
اقترب أكثر…
هذه المرة دون محاولة لمسها.
"وأنتِ؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة… حزينة:
"أنا… ما تبقّى."
سكتت…
ثم قالت بصوت أخفض:
"أستطيع الخروج… كطيف فقط."
نظر “عامر” نحو القصر…
ثم قال:
"والحاكم؟"
تغيرت ملامحها…
ولأول مرة…
ظهر الغضب.
"هم… ورثة الخطيئة."
صمتت لثوانٍ…
ثم اقتربت منه قليلًا…
رغم أنها لا تلمس الأرض.
وقالت:
"استغلوا ما حدث لنا…ليصنعوا خوفًا لا ينتهي."
ثم همست:
"الناس يخافون من الشيطان…"
ونظرت نحو القصر…
"لكنهم لا يعلمون…أن الوحوش… تعيش هناك."
في تلك اللحظة…
اهتزّ الهواء حولها فجأة.
تراجعت “ليلى” خطوة…
كأن شيئًا يسحبها.
قالت بسرعة:
"لقد شعروا بي…"
اقترب “عامر”:
"من؟!"
نظرت إليه…
بعينين مليئتين بالتحذير:
"لا تثق بأحد…"
ثم—
اختفت.
بلا صوت.
وقف “عامر” وحده…
في الظلام.
لكن هذه المرة…
لم يكن خائفًا.
بل…
غاضبًا.
وقال بصوت منخفض:
"إذا كانت هذه لعبة…فأنا مستعد ألعبها للنهاية."