الفصل الأول
لم يكن "عامر" يبحث عن الراحة يومًا…
بل عن الأماكن التي يخافها الجميع.
كلما سمع عن ظاهرة غريبة،
أو قصة يتناقلها الناس همسًا…
كان يذهب.
ليس لأنه شجاع…
بل لأنه لا يصدق بسهولة.
حين سمع عن المدينة التي يُمنع فيها الضحك…
ابتسم.
وقال بهدوء:
"لا بد أن الحقيقة أبسط مما يظنون."
استغرق الطريق إليها أيامًا…
كلما اقترب،
كان الصمت يزداد.
حتى وصل.
مدينة بلا صوت.
لا ضحك…
لا حديث عالٍ…
حتى خطوات الناس كانت حذرة…
كأن الأرض نفسها تراقبهم.
دخل "عامر" السوق…
فنظر إليه الناس بخوف.
لم يكن غريبًا عليهم…
بل كان مختلفًا.
وجهه لم يكن خائفًا.
وهذا… وحده كان كافيًا لإثارة الشك.
اقترب منه رجل عجوز،
أمسك بذراعه بسرعة،
وهمس:
"لا تبتسم… مهما حدث."
نظر إليه "عامر" باستغراب:
"لماذا؟"
ارتجفت عينا الرجل…
ونظر حوله قبل أن يقول:
"الضحك هنا… لا يُغتفر."
وفي تلك اللحظة…
مرّ جنود الحاكم.
صمت الجميع فورًا.
انخفضت الرؤوس…
واختفت الأنفاس.
همس العجوز بسرعة:
"الحاكم يقول…
إن من يضحك… يأخذه الشيطان."
لكن قبل أن يكمل…
سُمع صوت خافت.
ضحكة.
تجمّد كل شيء.
حتى الهواء…
توقف.
التفت "عامر" ببطء…
نحو مصدر الصوت.
طفل.
لم يتجاوز السابعة…
كان يضحك.
ثوانٍ فقط…
ثم—
اختفى.
لا صراخ…
لا دم…
لا أثر…
كأنه لم يكن موجودًا.
اتسعت عينا "عامر"…
لكن ليس خوفًا.
بل…
فضول.
وقال في نفسه:
"هذا… ليس شيطانًا."
💬
لم يكن الشيطان…
هو من يأخذهم.
هكذا اكتشف القليل…
وقُتلوا قبل أن يتكلموا.
في الخفاء،
كان الحاكم يملك سرًا…
ليس سحرًا،
ولا لعنة…
بل مادة.
مادةٌ بلا لون…
بلا رائحة…
تُرشّ على الضحية فيختفي…
دون صراخ،
دون أثر،
كأنه لم يكن موجودًا يومًا.
وفي الصباح…
يقف الحاكم أمام الناس،
بوجهه البارد المعتاد،
ويقول:
"أخبرتكم…
من يضحك… يأخذه الشيطان."
ومع كل اختفاء…
كان الخوف يكبر.
ليس من الشيطان…
بل من الضحك نفسه.
الأم تخاف أن يبتسم طفلها…
والصديق يخاف أن يمازح صديقه…
والناس…
تعلموا أن يعيشوا بلا مشاعر.
لكن الحقيقة التي لم يعرفها أحد…
أن الحاكم لم يكن يخاف من الضحك لأنه “محرم”…
بل لأنه…
أخطر من السيوف.
فالإنسان الذي يضحك…
لا يخاف.
والإنسان الذي لا يخاف…
قد يفكر…
والذي يفكر…
قد يثور.
💥