الفصل السادس
لم يكن يبحث عن الحب…
كان فقط يعيش.
نفس المقهى كل صباح، نفس الكرسي، نفس القهوة التي تبرد قبل أن ينهيها، ونفس النظرة الشاردة التي تلاحق وجوه الناس دون أن ترى أحدًا.
إلى أن جاءت… صدفة.
لم تكن مختلفة في البداية. مجرد فتاة مرّت بجانبه، نظرة عابرة، حديث بسيط، لا شيء يُبنى عليه.
لكنه لم ينتبه… أن بعض الصدف، تبدأ صغيرة… وتنتهي كارثة.
حين انكسرت ساقه، لم يبحث عن مشاعر… بل عن صوت يملأ الفراغ.
فاتصل بها.
كانت البداية عادية. كلمات خفيفة، ضحكات قصيرة، لا عمق… لا وعود.
لكنه، دون أن يشعر، بدأ يعتادها.
وصوتها… صار جزءًا من يومه.
ورسائلها… شيئًا ينتظره.
حتى وقع.
بهدوء. بغباء جميل. بدون أن يخطط لذلك.
---
طلبت اللقاء.
التقيا في حديقة هادئة، وكأن العالم كله قرر أن يتركهما وحدهما.
حين رآها… لم يقل شيئًا.
فقط شعر أن شيئًا داخله… استقر.
جلسا طويلًا، تحدثا عن أشياء عادية، لكن الإحساس لم يكن عاديًا أبدًا.
وفي تلك اللحظة… أدرك أنه لم يعد كما كان.
لقد أحبّها.
---
مرّ أسبوع.
ثم… انتهى كل شيء.
“سأنفصل عنك…”
رسالة قصيرة. باردة. بلا سبب.
كأنها تمحو كل شيء… دون حتى أن تنظر خلفها.
لم يسأل. لم يصرخ.
فقط… صمت.
---
بعد يومين فقط…
وصلته رسالة أخرى.
“انتظرني…”
كلمتان…
لكنها كانت كافية ليعيد بناء كل ما انهار.
لم يفكر. لم يشك.
فقط… انتظر.
---
مرّت الأيام…
ثم الأسابيع…
ثم الشهور.
خمسة أشهر كاملة…
وهو ينتظر.
في كل إشعار، يظنها. في كل رسالة، يخاف أن لا تكون.
حتى بدأ يشعر بشيء جديد…
ليس الحزن.
بل الإهانة.
كيف تحوّل إلى شخص ينتظر؟ كيف سمح لنفسه أن يكون خيارًا مؤجلاً؟
وفي تلك اللحظة…
انكسر شيء داخله.
---
في ليلة هادئة، جلس في المقهى… فتح هاتفه… قرأ رسالتها:
“انتظرني…”
ابتسم.
وقال بصوت منخفض:
“أعطيتك وقتك… وأعطيتك عمري.”
ثم أغلق الهاتف…
ولأول مرة، اختار نفسه.
---
حاول أن يتغير.
أن يهرب من كل ما يذكره بها.
حتى جاءت… رقية.
لم تكن مثلها.
كانت واضحة. صادقة. تحب دون غموض.
اقتربت منه، ورأت فيه شيئًا يستحق الحب.
أما هو…
فلم يرَ فيها إلا فرصة.
فرصة لينتقم من شعوره، من ضعفه، من تلك التي جعلته ينتظر.
فارتبط بها.
---
كانت تحبه بصدق…
وهو…
يمثل.
يبتسم لها… وفي داخله، شخص آخر.
تقترب… فيبتعد دون أن تشعر.
تعطيه قلبها… وهو يعطيها فراغه.
---
وفي يوم…
نظر إليها طويلًا.
وشعر بثقل الحقيقة.
قال بهدوء:
“أنا ظلمتك.”
ثم… تركها.
كما تُرك هو.
---
لكن هذه المرة…
لم يستطع الهروب.
لم يكن الألم بسبب حب… بل بسبب الذنب.
لأول مرة…
فهم.
أنه أصبح مثلها.
يؤذي دون تفسير. ويترك دون رحمة.
---
عاد إليها.
لم يكن قويًا. ولا واثقًا.
فقط… نادم.
قال لها:
“لم أكن أحبك… لكنني اليوم أريد أن أكون إنسانًا يستحقك.”
لم تكن الكلمات كافية…
لكنها رأت فيه شيئًا مختلفًا.
شيئًا صادقًا هذه المرة.
---
تزوجها.
ليس بسبب الحب الذي بدأ قويًا…
بل بسبب الصدق الذي جاء متأخرًا.
---
لم يكن الحب الذي جاء مع رقية…
حبًا حقيقيًا.
كان محاولة. محاولة للهروب… من شيء لم ينتهِ أصلًا.
تزوّجها، ابتسم، حاول أن يكون الرجل الذي تستحقه…
لكن قلبه…
لم يكن هناك.
كان عالقًا… عند رسالة قديمة:
“انتظرني…”
---
رقية لم تكن غبية.
كانت ترى.
ترى شروده المفاجئ، نظراته التي تضيع في الفراغ، صمته الطويل حين يُذكر شيء بسيط يعيده للماضي.
كانت تعرف…
أنه لا يحبها.
ليس كما يجب.
لكنها… اختارت أن تبقى.
ليس ضعفًا، بل أملًا.
كانت تقول لنفسها: “ربما مع الوقت… سيتغيّر.”
---
ومع مرور الأيام…
لم يتغير.
كان حاضرًا بجسده… غائبًا بقلبه.
يحاول أن يخفي، أن يمثل، أن يكون طبيعيًا…
لكن الحب لا يُمثَّل.
والقلب… لا يكذب طويلًا.
---
وحين حملت رقية…
ابتسم.
لأول مرة منذ زمن، شعر بشيء حقيقي.
ليس حبًا لها…
بل مسؤولية.
خوف. رغبة في أن لا يكون نسخة من نفسه القديمة.
---
في يوم الولادة…
كان يقف خارج الغرفة.
يداه باردتان، وقلبه يضرب صدره بقوة.
لم يكن يفكر فقط في الطفل…
بل في كل شيء.
فيها… في الأخرى… في نفسه.
في حياة لم يخترها كاملة… ولا استطاع الهروب منها.
---
دخل.
كانت رقية متعبة… لكنها ابتسمت له.
تلك الابتسامة…
التي كانت دائمًا تعرف كل شيء، وتسامح دون أن يُطلب منها.
حمل الطفل بين يديه.
صغير… هادئ… بريء من كل الفوضى التي سبقته.
همس:
“أنيس…”
---
ثم نظر إليها.
لأول مرة…
لم يجد كلمات.
فقط شعور ثقيل…
بالذنب.
---
اقتربت منه، رغم تعبها، وقالت بصوت خافت:
“كنتُ أعلم…”
سكت.
كأن الكلمات خنقته.
تابعت:
“كنتُ أعلم أن قلبك… لم يكن لي.”
---
رفع عينيه نحوها…
خائفًا، مكسورًا، مكشوفًا أخيرًا.
---
ابتسمت…
لكنها لم تكن ابتسامة سعادة.
كانت نهاية.
وقالت:
“لكنني اليوم… أريد أن أتوقف.”
---
تجمّد مكانه.
وقال بصوت مرتجف:
“ماذا تقصدين؟”
---
نظرت إلى الطفل… ثم إليه…
وقالت بهدوء موجع:
“بقيتُ معك حتى أُحضر أنس إلى هذه الدنيا. لم أرد له أن يأتي بلا عائلة.”
سكتت لحظة…
ثم همست:
“لكنني لا أستطيع أن أُكمل مع رجلٍ قلبه مع امرأةٍ أخرى.”
---
لم يحاول إيقافها.
لأنه… لأول مرة…
فهم.
---
خرج من الغرفة…
يحمل ابنه…
ولا يحمل شيئًا آخر.
لا حب، لا ماضٍ، لا أعذار.
فقط…
حقيقة متأخرة:
أن القلوب التي لا تُغلق أبوابها… تدمّر كل ما يأتي بعدها.
---
وفي مكانٍ ما…
كانت رسالة قديمة لا تزال هناك:
“انتظرني…”
لكن هذه المرة…
لم يعد ينتظر.
ولم يعد يملك ما ينتظره.
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عن من سواك