ويحك! لقد تكلّمت بكلام الحكماء،
أقسم رجلٌ على نفسه قائلاً: لن أتزوّج حتى أستشير مائة رجلٍ من المتزوّجين.
فمضى يستشير الناس واحدًا بعد آخر، حتى بلغ تسعةً وتسعين رجلًا، ولم يبقَ له إلا رجلٌ واحد ليُتمّ عهده.
فعزم في نفسه أن يستشير أول من يلقاه في صباح اليوم التالي، وأن يعمل برأيه كائنًا من كان.
فلما أصبح وخرج من منزله، صادف رجلًا مجنونًا يمتطي قصبةً كأنها فرس، فوجد نفسه مُلزمًا باستشارته وفاءً بالعهد الذي قطعه على نفسه، إذ لم يجد سبيلًا إلى التراجع. فتقدّم إليه، فقال له المجنون: احذر فرسي لئلا تضربك.
فقال له الرجل: أمسك فرسك حتى أسألك عن أمرٍ مهم.
فوقف المجنون، فقال له الرجل: إني قد عاهدت الله تعالى أن أستشير مائة رجلٍ متزوّج، وقد بلغت تسعةً وتسعين، وأنت تُتمّ المائة، كما أنني عاهدت نفسي أن أستشير أول من ألقاه اليوم، وقد كنت أنت أول من صادفني، فأنا عازم على الزواج، فبمَ تشير عليّ؟
فقال له المجنون: النساء ثلاثة أصناف: ▪️امرأةٌ لك
▪️وامرأةٌ عليك
▪️وامرأةٌ لا لك ولا عليك
ثم قال له مرة أخرى: احذر فرسي لئلا تضربك، ومضى في طريقه.
فقال الرجل في نفسه: لم أستوضح منه معنى كلامه. فلحق به، وقال: يا هذا، أمسك فرسك. فوقف له.
فدنا منه وقال: فسّر لي قولك، فإني لم أفهم مرادك.
فقال المجنون: ▪️أما التي لك، فهي المرأة البكر، يكون قلبها لك، ومودتها خالصة لك، لا تعرف رجلًا غيرك؛ فإن أحسنت إليها قالت: هكذا يكون الرجال، وإن أسأت إليها قالت كذلك: هكذا يكون الرجال.
▪️وأما التي عليك، فهي الثيّب ذات الولد، تأخذ منك وتعطي ولدها، وتنفق من مالك، وتظل تذكر زوجها الأول وتبكي عليه.
▪️وأما التي لا لك ولا عليك، فهي الثيّب التي لا ولد لها؛ إن أحسنت إليها قالت: هذا خيرٌ من ذاك، وإن أسأت إليها قالت: ذاك خيرٌ من هذا؛ فإن كنت عندها خيرًا من زوجها الأول كانت لك، وإن لم تكن كذلك كانت عليك.
ثم انصرف المجنون، فلحقه الرجل وقال له متعجّبًا: ويحك! لقد تكلّمت بكلام الحكماء، ثم عملت عمل المجانين!
فقال له المجنون: يا هذا، إن قومي أرادوا أن يُولّوني القضاء، فأبيت، فلما ألحّوا عليّ، تظاهرت بالجنون حتى نجوت منهم.