الفصل الثاني
في اليوم التالي
لم يكن الصوت هو ما أيقظ "ليث"…
بل ذلك الفراغ.
فتح عينيه ببطء،
السقف الأبيض… كما هو،
الغرفة الواسعة… كما هي،
الصمت… كما اعتاد عليه.
كل شيء في مكانه…
إلا هو.
جلس على حافة السرير،
يمرر يده في شعره بتعب،
وكأن النوم لم يزره أصلًا.
نظر حوله…
غرفة فاخرة،
أثاث باهظ،
نوافذ تطل على مدينة لا تنام.
حياة… يتمنىها الجميع.
لكنه… لم يشعر بها يومًا.
رنّ هاتفه.
لم ينظر إلى الاسم…
لأنه يعرف.
"أبيه".
تركه يرن…
مرة…
مرتين…
حتى انطفأ الصوت.
تمتم بصوت خافت: "كالعادة… يتذكرني حين يحتاج شيئًا."
نهض ببطء،
توجه نحو المرآة…
توقف.
تجمّد.
لم تكن هذه أول مرة…
لكنه هذه المرة… كان متأكدًا.
انعكاسه…
لم يكن يقلده.
حدّق في عينيه داخل المرآة…
لكن ذلك "الشيء" في الداخل،
لم يكن هو.
ابتسم.
ليث… لم يبتسم.
تراجع خطوة للخلف،
وقلبه بدأ ينبض بسرعة.
"أنا… أتخيل."
اقترب مرة أخرى.
لكن الابتسامة… اختفت.
وأصبح كل شيء طبيعيًا.
صمت.
طويل… ثقيل… مرعب.
ارتدى ملابسه بسرعة،
وكأنه يحاول الهروب من نفسه.
نزل إلى الأسفل…
الخدم في كل مكان،
النظام مثالي،
كل شيء يسير كما يجب.
إلا حياته.
جلس على الطاولة…
طعام فاخر… بلا طعم.
كرسي فارغ أمامه…
كان من المفترض أن تجلس عليه "أم".
لكنه لم يعرفها يومًا.
دخل والده فجأة…
بهيبته المعتادة،
بنظرته الباردة،
بصوته الذي لا يحمل أي دفء.
"استعد… عندك اجتماع اليوم."
رفع ليث نظره ببطء:
"أنا ما طلبت هالحياة."
توقف الأب…
ثم قال ببرود: "لكنها حياتك."
صمت.
ثم ضحك ليث…
ضحكة خفيفة… لكنها مكسورة.
وقال:
"مو أنا اللي عايشها."
في تلك الليلة…
حين أغلق عينيه…
لم يرَ الظلام.
بل رأى…
مكانًا آخر.
سماء مختلفة…
هواءً مختلفًا…
وشعورًا…
أول مرة يحس أنه… حي.
لكن…
في ذلك العالم…
لم يكن وحده.
لم يكن حلماً…
هكذا شعر "ليث".
فتح عينيه ببطء…
لكن هذه المرة…
لم يكن في غرفته.
السماء… لم تكن زرقاء،
بل مزيج غريب بين البنفسجي والأسود،
كأن الليل… لم ينتهِ هنا أبداً.
وقف ببطء،
ينظر حوله بذهول.
أشجار طويلة… ساكنة،
هواء بارد… لكنه مريح،
وصمت…
ليس مخيفًا…
بل وكأنه… يناديه.
همس:
"أنا… وين؟"
لكن صوته…
لم يكن كأنه أول مرة يقول هذه الجملة.
كأنه… تذكّرها.
بدأ يمشي…
خطواته خفيفة،
وقلبه… هادئ بشكل غريب.
على عكس واقعه تمامًا.
ثم…
رآها.
كانت تقف بعيدًا،
تحت شجرة سوداء،
شعرها يتمايل مع الهواء،
وكأن المكان كله… يدور حولها.
تجمد في مكانه.
لا يعرفها…
لكنه…
يعرفها.
اقترب خطوة…
فتقدمت هي.
ببطء… بثقة… وكأنها كانت تنتظره.
قال بصوت متردد:
"مين… أنتِ؟"
ابتسمت.
ابتسامة… ليست عادية.
وقالت:
"تأخرت."
اتسعت عينا ليث:
"أنا أول مرة أجي هنا!"
اقتربت أكثر…
حتى أصبحت أمامه تمامًا.
نظرت في عينيه مباشرة…
وقالت بهدوء:
"لا…
أنت بس… نسيت."
شعر بشيء غريب في صدره…
كأن قلبه… يتألم ويشتاق في نفس الوقت.
"أنا أعرفك؟"
سألها…
بصوت أضعف من قبل.
رفعت يدها ببطء…
كادت تلمس وجهه…
لكنها توقفت.
وكأن هناك شيئًا يمنعها.
همست:
"لو تذكرتني…
راح تخسر كل شيء."
سكت.
العالم كله… سكت.
فجأة…
تغيّر كل شيء.
الهواء أصبح أثقل،
الأشجار بدأت تتحرك،
والظلال… بدأت تقترب.
تراجعت الفتاة بسرعة،
ونظرتها تحولت من هدوء… إلى خوف.
صرخت:
"ليث! اصحى!!"
وفي لحظة—
اختفى كل شيء.
فتح عينيه بعنف…
عاد إلى غرفته.
يتنفس بسرعة…
قلبه يكاد يخرج من صدره.
نظر حوله…
كل شيء كما هو.
لكن…
لم يعد كما كان.
رفع يده ببطء…
على وجهه.
مكان… كادت أن تلمسه.
وهمس:
"مين… أنتِ؟"
لكن هذه المرة…
لم يكن السؤال هو المخيف.
بل الشعور…
أنه بالفعل… يعرف الإجابة.
🔥 🔥