عهد ماليديكتوس - الفصل الثالث - بقلم بيلا الفارسي | روايتك

اسم الرواية: عهد ماليديكتوس
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

الفصل الثالث كانت موريثيا تتمدد على فراشها، تراقب بصمت سكون الغرفة بعد أن استسلمت "إيكليبسيا" و"كاليجو" لسلطان النوم. غمرتها مشاعر دافئة وهي تفكر في روعتهما؛ لقد حظيت أخيراً بصداقة حقيقية، لكن تلك السعادة كان يعكر صفوها طيف "أثاناسيا"، ابنة عم كاليجو. لم تكن أثاناسيا مجرد فتاة سيئة، بل كانت تجسيداً للتعالي؛ فمنذ اليوم الأول لم تتوقف عن التنمر على موريثيا، واصفة إياها بأنها بلا فائدة ولا تستحق مكاناً في هذه الجامعة لافتقارها للقوة. ​لولا وقفة "دالكا"، "مالكاي"، "هيكات"، وحتى "إيكليبسيا" و"كاليجو" في وجهها، لكانت موريثيا لقمة سائغة لغرورها. لقد جعلوا من أثاناسيا أضحوكة الجامعة منذ ذلك اليوم، لكن الأخيرة لم تستسلم، فباتت تتحين أي فرصة تنفرد فيها بموريثيا لتسمم أفكارها وتذكرها بأنها غريبة عنهم، وأن مكانها ليس هنا. ​تنهدت موريثيا بتعب، وفتحت عينيها لتتأكد من غرق صديقتيها في النوم؛ كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بالفعل. شعرت بفضول يحرق صدرها، فهبطت من فراشها بهدوء، وتسللت إلى المرحاض لتبدل ملابسها بأخرى تلائم الخروج الليلي. تحركت على أطراف أصابعها، مغادرة السكن باتجاه "الغابة المحرمة"، أو كما يطلق عليها البعض "الغابة السوداء". ​كانت الغابة موحشة؛ أشجارها تلتوي كأذرع شياطين، والقصص عن حيواناتها المفترسة وبشاعتها تقشعر لها الأبدان. لكن رغبة موريثيا في رؤية تلك "البحيرة الأسطورية" التي حكى عنها معلمها في الفصل كانت أقوى من خوفها. نجحت في التسلل، واخترقت سكون الأشجار وهي تكتم أنفاسها، محاولة ألا تصدر أي صوت قد يجذب وحوش الظلام إليها. ​وأخيراً، انفتحت الأشجار عن مشهدٍ ساحر؛ البحيرة تتلألأ تحت ضوء القمر. أخرجت هاتفها لتلتقط صوراً توثق تلك اللحظة، وبينما كانت تضبط الكاميرا لتأخذ صورة لنفسها (سيلفي) مع هذا الجمال، تجمدت الدماء في عروقها. خلفها، في شاشة الهاتف، ظهر أضخم وأشرس ذئب قد تراه عين بشرية. ​التفتت بسرعة وصدمة، تراجعت والخوف يشل أطرافها، وقبل أن تطلق صرخة استغاثة، كان الذئب قد طرحها أرضاً فوق العشب البارد. وضع حوافره الثقيلة فوق صدرها ورقبتها، وزمجر بصوت هز كيانها، فاتحاً أنيابه لينهي حياتها. أغمضت موريثيا عينيها، منتظرة مصيرها المحتم وموتها الوشيك.. لكن فجأة، اختفى ثقل الذئب، ولم تعد تشعر إلا بهواء بارد يلف المكان. ​فتحت عينيها ببطء وجلست بصدمة؛ كان هناك شخص يقف أمامها، طويل وعريض المنكبين بطريقة مهيبة وغير طبيعية. لقد قتل ذلك الذئب بلمحة بصر. التفت الغامض نحوها، لم تستطع تمييز ملامحه وسط العتمة، لكنها رأت بوضوح عينيه اللتين تومضان باللون الأحمر القاني قبل أن يختفي فجأة كما ظهر، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً. ​ركضت موريثيا عائدة إلى السكن الجامعي وجسدها يرتجف بعنف، لا تصدق أنها ما زالت على قيد الحياة. فور دخولها، اندفعت نحوها كاليجو وهي تصرخ بهلع: — "أيتها الحمقاء! أين كنتِ؟ لقد استيقظنا لنوقظكِ من أجل التدريب الصباحي ولم نجد لكِ أثراً!" ​نظرت إليهم موريثيا بتوهان، لم تكن تسمع صراخهم، بل كان صدى زئير الذئب وشعور أنيابه وهي تقترب من عنقها هو ما يسيطر على حواسها. فجأة، صرخت كاليجو برعب وهي تمسك بكتفي موريثيا: — "ما هذا؟! كيف أصبتِ بجرح عميق في رقبتكِ هكذا يا فتاة؟!" ​حاولت موريثيا أن تنطق، أن تشرح ما حدث، لكن قواها خانتها. انهارت وسقطت فاقدة للوعي، وكان آخر ما تناهى إلى سمعها هو صراخ "كاليجو" و"إيكليبسيا" بأسمها وأسماء الفتيان، يطالبونهم بحملها بسرعة إلى مشفى الجامعة. فتحت موريثيا عينيها بتثاقل، لتجد السقف الأبيض للمشفى يدوّر من حولها في دوامة من الدوار والتشوش. حاولت تحريك يدها، فشعرت ببرودة تسري في عروقها؛ نظرت بصدمة إلى المحلول المعلق بجانب فراشها.. لم يكن سائلاً طبياً شفافاً، بل كان دماً قانياً يتدفق داخل وريدها. انتفض قلبها رعباً؛ هل فقدت كل ذلك القدر من الدماء ليلة أمس؟ ​قبل أن تستوعب الموقف، انفتح الباب بعنف واندفعت "كاليجو" نحوها وهي تنشج بالبكاء، لترتمي في حضنها بقوة وهي تصرخ بصوت مخنوق: — "أين كنتِ يا موريثيا؟ وكيف انتهى بكِ الأمر بهذه الندبة المروعة على عنقكِ؟" ​رمشت موريثيا بذهول، وهي تتحسس موضع الألم ببثور أصابعها المرتجفة: — "أي ندبة تتحدثين عنها؟.. أوه، تذكرت. لابد أنها آثار حوافر ذلك الذئب الضخم الذي انقض عليّ." ​تجمدت كاليجو في مكانها، وابتعدت قليلاً وهي تصرخ بذهول: — "ماذا! ذئب؟ أي ذئب؟ وأين حدث هذا؟" ​خفضت موريثيا بصرها نحو يديها الشاحبتين، وقالت بصوت خفيض يملؤه الندم: — "تسللتُ ليلة أمس إلى الغابة المحرمة يا كاليجو.. وهناك، هاجمني وحش لم أرَ في ضخامته قط." ​استشاطت كاليجو غضباً وهي تعاتبها على فعلتها الشنيعة، لكن سرعان ما هدأ صوتها وتحول إلى همسٍ مريب وهي تلمس رقبة موريثيا بحذر شديد، قائلة: — "لكن هذه ليست آثار حوافر يا موريثيا.. انظري في المرآة، إنها ندبة غائرة لأسنان حادة.. إنها غرزة أنياب مصاص دماء! او ذئب" ​ضحكت موريثيا بسخرية مريرة رغم ألمها: — "أحقاً ما تقولين؟ ومن أين لكِ بكل هذه الخبرة في تحليل الجروح؟" ضربت كاليجو جبهة صديقتها بخفة وهي ترد بتهكم: — "ربما لأنني مصاصة دماء مثلاً؟! و اعلم الندوب" ​صمتت موريثيا لبرهة، ثم قالت بتشتت: — "أوه، هذا صحيح.. نسيتُ ذلك. لكنني لا أتذكر حقاً من فعل هذا، كل ما أذكره هو عينان حمراوان كالجمر لشخص هاجم الذئب." ​اشتعل الحماس في عيني كاليجو فجأة، وبدأت تتفحص الندبة بتركيز أكبر: — "اسمعي يا فتاة، هذه ليست أنياباً عادية.. إنها تشبه الأنياب الملكية في دقتها وقوتها. أعتقد أنه لم يكن يريد قتلكِ، بل كان يريد.." ثم صرخت فجأة وهي تقفز من مكانها بحماس جنوني: "أنتِ رفيقة مستذئب يا موريثيا! لقد وسمكِ رفيقكِ!" ​انتفضت موريثيا صارخة برفض قاطع: — "لن يحدث هذا أبداً! أنا ما زلت لم أتحول بعد، ولن أكون رفيقة لأحد، لا الآن ولا في المستقبل! هل اتفقنا؟ و ايضا اخبرتك انه كان ذئب و ليس مستذئب و ايضا هذا الحديث لا يجب أن يعلم به مخلوق!" ​هبطت موريثيا من فراشها بعناد، ونزعت إبرة المحلول من يدها بقسوة غير مبالية بالألم، واتجهت نحو الباب. تبعتها كاليجو وهي تحاول إقناعها: — "لكن يا موريثيا، بعد ساعات قليلة سيتغير شكل هذا الجرح ليصبح وشماً ملعوناً يربطكِ بذلك الشخص أياً كان.. لن تستطيعي إخفاءه للأبد!" ​هزت موريثيا كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، بينما كان قلبها يرتجف خوفاً من المجهول: — "لا يهمني.. لن أكون ملكاً لأحد مهما حدث. أما بالنسبة للآخرين، فسأخبرهم أنني قمت برسم وشم جديد فحسب، ولا أريد نقاشاً في هذا الأمر." ​تنهدت كاليجو باستسلام، وهي تنظر لظهر صديقتها المبتعدة بكثير من القلق: — "حسناً، كما تريدين يا صديقتي.. لكن القدر لا يُهزم بالأكاذيب."