💉الخاتمة: رماد الذاكرة وظلال
الخاتمة: رماد الذاكرة وظلال المبضع
مرت السنوات على تلك الليلة في باريس...
وأصبحت قصص "الجراح الإنجليزي" و"مسلخ المونمارتر" مجرد حكايا يتداولها السكارى في الحانات لترويع الغرباء.
لكن في مدينة "البندقية"...
حيث الممرات المائية الضيقة والبيوت التي تغرق ببطء في الملوحة والنسيان....
كان هناك قصرٌ قديم تفوح من نوافذه رائحة غريبة...
لم تكن رائحة العفن المعتادة للمدينة الغارقة...
بل كانت رائحة "يود وفينيك" نفاذة تكسر برودة الهواء البحري.
داخل ذلك القصر...
كان هناك رجلٌ عجوز يتحرك ببطء....
يجر ساقه التي شوهتها ندوب قديمة....
ويداه اللتان تفتقدان لبعض العقلات لا تزالان تمسكان بالمشرط بذات الثبات الأسطوري.
لم يعد أدورد فالكون يطارد الضحايا في الشوارع....
فقد أصبح الضحايا يأتون إليه.
كان قد صنع لنفسه سمعة كـ "طبيب المعجزات" الذي يعالج الأمراض المستعصية بطرقٍ سرية...
بينما كان في الحقيقة يحول مرضاة إلى أجزاء من "مشروعه الأخير".
في وسط قبو القصر البندقي...
كان هناك حوض زجاجي عملاق مليء بـ "الفورمالين النقي".
داخل الحوض....
لم تكن هناك جثة واحدة...
بل كان هناك "كيان" يتكون من أجزاء بشرية اختيرت بدقة على مدار عشرين عاماً...
أذرع لراقصات باليه...
صدور لرجال أقوياء...
ووجوه سُلخت من أجمل نساء أوروبا...
رُبطت جميعاً بشبكة معقدة من الأسلاك الفضية والأنابيب الحريرية.
كان هذا هو "الإنسان الكامل" الذي طالما حلم به أدورد...
جسدٌ لا يفنى...
مشرحٌ للأبد...
ومحفوظٌ في سكون كيميائي مقدس.
وقف أدورد أمام الحوض...
ينظر إلى انعكاس وجهه المحطم والمجعد على الزجاج.
كان يبتسم وهو يرى أن عمله قد اكتمل.
لم يعد هناك المزيد من الدماء ليسفكها....
ولا المزيد من الأجساد ليفككها.
استل حقنة أخيرة...
مليئة بمزيج قاتل من "الأكونيتين" و"سيانيد الذهب".
"الآن..
سأصبح جزءاً من لوحتي،"
همس بصوتٍ مبحوح وهو يغرس الإبرة في وريده الصدغي.
ارتمى أدورد داخل الحوض العملاق....
محتضناً "كيانه" المصنوع من أشلاء ضحاياه.
ومع توقف قلبه عن النبض...
بدأت السوائل الكيميائية في الحفاظ عليه هو الآخر....
ليتحول الجراح وضحاياه إلى كتلة واحدة من اللحم المخلد.
عندما اقتحمت السلطات الإيطالية القصر بعد أسابيع إثر شكاوى من الرائحة...
لم يجدوا قاتلاً....
ولم يجدوا جثثاً عادية...
وجدوا "متحفاً" صامتاً يسبح في الزجاج...
حيث كان "الحي" لا يزال ينظر إليهم بعينين مفتوحتين... متجمداً في لحظة تشريح أبدية لا تنتهي.
رحل أدورد فالكون...
لكن "الحي" لم يمت...
فقد ظلت مذكراته التي وُجدت بجانب الحوض تُدرس في الخفاء من قبل جراحين مهووسين...
لتنتقل عدوى "المبضع المقدس" من جيل إلى جيل....
وليبقى الخوف من ذلك الطبيب الذي يرى في الألم جمالاً...
وفي الموت..
حياةً أخرى.
تمت الرواية.