الفصل الثالث
مالك يا جود؟"
سألتها ريم وهي بتطلع فستان شيك من الدولاب، وعمالة تقيسه على جسمها قدام المراية عشان تجهز لليوم اللي الضيوف هيجوا فيه يشوفوها. جود من ساعة ما رجعت من الجامعة وهي "قافلة" تماماً، مابتنطقش، وكأن فيه غصة في حلقها خانقاها، وريم طبعاً حافظة أختها وعارفة إن فيه "حاجة" حصلت.
جود اعتدلت في قعدتها على السرير، وعدلت تيشرت "ميكي ماوس" اللي لابساه بضيق، وبدأت تحكي لريم كل اللي حصل مع دكتور فراس، وإزاي "هزأ" تعبها ورفض البحث اللي سهرت عليه يومين.
ريم سابت الفستان من إيدها وبصت لها باستغراب حقيقي
"إيه؟ رفض البحث؟ غريبة أوي.. ده أنا عارفاكي "دحيحة" ومابتسيبيش الهفوة، وبعدين إنتي بجد طلع عينك في المشروع ده الأسبوع كله!"
الكلام ده زاد وجع جود اما ريم فحاولت تتكلم معاها بهدوء ومنطقية، وقالت لها بلهجة ناصحة
"يا جود، اهدي بس.. يمكن هو ليه وجهة نظر تانية؟ حاولي تروحي له المكتب تاني وتتكلمي معاه بأسلوب أهدى، افهمي منه الغلط فين بالظبط عشان تصلحيه.. ده دكتورك وإنتي بتتعلمي في الاخر "
جود ضحكت بسخرية ومرارة
"أسلوب أهدى؟ ده أنا كان فاضل تكه وأقوم أقتله في مكتبه يا ريم!"
ريم برقت عينيها ومافهمتش في الأول
"تقتليه؟ قصدك إيه؟"
هنا جود اعترفت بكل حاجة، وحكت لها عن "الخناقة" اللي حصلت، وإزاي صوتها عليّ عليه وكانت خلاص هترمي البحث في وشه لولا إن سجى لحقتها وسحبتها برا المكتب في آخر لحظة.
ريم اتصدمت حرفياً، وضربت بكتفها في الهواء بخوف
"يا نهار مش فايت يا جود! إنتي اتجننتي؟ ماينفعش أبداً تتخطي حدودك معاه، ده دكتورك ومستقبلك في إيده.. ده إنتي لو حطك في راسه وقرر ينتقم منك، هيضيع عليكي السنة ويخلي عيشتك سودة.. زي.. زي ما حصل زمان.."
جود سكتت فجأة، وحست بوجع في قلبها لأنها فهمت قصد ريم كويس أوي. ذكريات قديمة وصعبة خيمت على الأوضة؛ ريم زمان حصل لها موقف مشابه مع مدرس في الثانوي، كان شخص قاسي وسادي وحط ريم في دماغه حرفياً، وفضل يضايقها ويحسسها بالفشل لحد ما ريم كرهت المذاكرة والدراسة كلها. والموضوع زاد سوءاً لما والدهم اتوفى في نفس الفترة، فقررت ريم إنها تسيب التعليم خالص وتقعد تساعد مامتها في البيت، وأحمد ساب دراسته هو كمان ونزل يشتغل عشان يصرف عليهم، وكان كل هدفهم وقتها إن "جود" اللي كانت لسه صغيرة تكمل تعليمها وتوصل لأعلى مكان.
ريم سابت الفستان خالص وقعدت جنب جود، ومسكت وش أختها بين إيديها وبصت لها بتركيز وعينيها مليانة حوم
"اسمعيني يا جود.. ممنوع منعاً باتاً إنك تتعاملي مع الدكتور ده فوق الحد، وممنوع تخليه يحطك في دماغه. إنتي لازم تنجحي، ولازم تدرسي، ولازم تطلعي مهندسة قد الدنيا.. إحنا ضحينا بكل حاجة عشان نشوفك في المكان ده، بلاش تضيعي كل ده عشان عصبية لحظة."
جود بصت في عيون ريم، وحست بحجم المسئولية والوجع اللي أختها شالته عشانها، وهزت راسها ببطء وهي بتوعدها
"حاضر يا ريم.. هحاول أمسك أعصابي، ومش هخليه يوصّلني لدرجة إني أضيع مستقبلي."
أومأت جود بقلب تقيل، وهي عارفة إن ريم مش بس خايفة على مستقبلها، هي بتخاف عليها من الوجع اللي هي نفسها عاشته ومسح أحلامها.
_______
في سكون الليل..
جوه أوضة "فراس" اللي بتعكس شخصيته بالمللي؛ كل حاجة في مكانها، هدوء كلاسيكي، وإضاءة خافتة ومريحة. كان قاعد على كنبة صغيرة "شيزلونج" جابها مخصوص عشان يذاكر ويشتغل عليها بتركيز وراحة.
فجأة، الباب اتفتح ودخلت عليه "ليلي" زي الإعصار.. فراس أخد تنهيدة طويلة؛ أخته ليلي دي مش هتبطّل عادتها أبداً، من وهما صغيرين لحد ما كبروا، سافر فرنسا سنين ورجع وهي لسه مابتعترفش بحاجة اسمها استئذان ولا بروتوكول.
ليلي رمت نفسها على السرير اللي قدامه وسألته بذهول
"فراس.. إنت بجد بتتكلم جد؟ ناوي تروح تخطب بكرة فعلاً؟"
فراس ببرود ومن غير ما يرفع عينه
"وأيه اللي يمنع؟"
ليلي
"يا اخويا بس البنت ماتعرفهاش! "
فراس
"وبعدين؟ ما أنا رايح بكرة عشان أتعرف عليها وعلى أهلها."
ليلي بصوت عالي
"بس إنت مش بتحبها ! إزاي هترتبط بواحدة مفيش بينكم مشاعر؟"
فراس ساب التابلت من إيده وبص لها، وضحكة سخرية خفيفة ظهرت على وشه
"حب؟ إنتي بتقولي إيه يا ليلي؟"
ليلي باندفاع
"أيوه حب! مش الطبيعي إن الناس تتجوز لما تحب بعضها؟"
فراس حط التابلت على جنب، وعدل قعدته وبص لها بنظرة عميقة وشرح فكرته بهدوء
"لأ طبعاً.. العكس هو اللي صح. الحب ده كلمة الناس بتستعملها عشان تغطي بيها على عيوب كتير، أو عشان تبرر اندفاع مالوش معنى. الزواج يا حبيبتي مش أساسه مشاعر مراهقة.. الزواج ده 'عقد' وقرار عقلي 100%. بتختاري حد فيه (توافق) فكري واجتماعي، حد (أخلاقه) كويسة، ومن (عيلة) شبه عيلتك وتناسبك.. لما الأسس دي تكون موجودة، البيت بيتبني على أرض صلبة. العقل هو اللي بيختار الشريك الصح، أما المشاعر؟ فدي حاجة بتيجي مع الوقت، بتكبر مع العِشرة، مع المواقف، مع الاحترام المتبادل.. ده اللي بيعيش وبيدوم، مش الانبهار اللي بيسموه حب وفي الآخر بيخلص مع أول خناقة."
ليلي لوحت بإيدها وسخرت منه
"يا عيني! ده إنت عشت نص حياتك في فرنسا، بلد الرومانسية، وتفكيرك لسه كدة؟ ده إنت طلعت دقة قديمة أوي!"
فراس ابتسم ومال براسه وهو بيقول لها بثقة
"بالظبط.. عشان عشت هناك وشفت بعيني إزاي بيرخصوا الزواج وبيهدوا بيوت بحجة 'الحب خلص'، وشفت إيه اللي ممكن يحصل لما المشاعر تكون هي القائد الوحيد.. قررت إني مش همشي ورا الوهم ده. العقل أولاً يا ليلي."
ليلي هزت راسها بقلة حيلة، هي عارفة إن أخوها دماغه ناشفة ومنطقه صعب يتغير، قامت وقفت وهي بتقول له
"أنا بلغت..."
وكملت بعيون تلمع
"بس خليك فاكر، فيه حب في الدنيا، والحب موجود بجد يا فراس...حاجة حلوة جدا "
فراس ضيق عيونه بشك وسألها
"وإنتي يا جميلة، عرفتي الكلام ده منين؟ أوعي يكون فيه حد..."
وقبل ما يكمل جملته، ليلي جريت من الأوضة وهي بتضحك بصوت عالي، واصطدمت وهي خارجة بأخوهم الكبير "جهاد".
جهاد بصلها باستغراب وهي بتجري وبتضحك، وبعدين خبط على باب أوضة فراس ودخل. فراس أول ما شاف جهاد، اعتدل في قعدته
"أهلاً.. إيه ده؟ العيلة كلها قررت تزورني الليلة دي ولا إيه؟"
جهاد بنبرة جدية ومختصرة
"لأ يا فراس.. فيه موضوع لازم نتكلم فيه."
فراس بتخمين
"موضوع جوازي بكرة؟"
جهاد بجمود
"لأ، ده الله يسهلك فيه.. أنا جاي بخصوص موضوع الشركة."
هنا ملامح فراس اتغيرت تماماً وتجهم وشة، وحس بضيق مكتوم، بس حافظ على هدوءه وأدبه مع أخوه الكبير، واستعد للكلام اللي عارف إنه مش هيعجبه.
_______
اليوم الموالي.. الجمعة.. الساعة دقت بعد العصر، والتوتر في بيت عيلة جود كان واصل للسحاب.
من أول الصباح والدنيا قايمة ما قعدتش؛ تنضيف، تلميع، وتحضير أصناف الحلويات والمشروبات. جود طبعاً اضطرت "بمنتهى الزهق" إنها تمد إيدها تحت أوامر مامتها فوزية وتساعد في كل حاجة، ورغم إنها مكانتش مهتمة بـ "العريس" ولا بالليلة دي كلها، إلا إنها مقدرتش تكسر كلمة أمها ...ولا تسيب اختها لوحدها في يوم مهم زي ده ...
في الأوضة، ريم كانت بتحط اللمسات الأخيرة. كانت طالعة زي الملكة في فستانها الأخضر الغامق، قماشته الساتان بتلمع بهدوء ومجسم على جسمها برقي، وكمامه الطويلة الواسعة مديالها هيبة ونعومة في نفس الوقت. كانت واقفة قدام المراية بتعدل خصلات شعرها وتتأكد إن كل حاجة مظبوطة، وإيدها كانت بتترعش خفيف من كتر التوتر.
جود كانت قاعدة على طرف السرير بتبص لها بصمت، ولابسة فستان أصفر رقيق، كتافه منفوخة "باف" وقصته كلاسيكية بسيطة، مدي لوشها إشراقة حلوة وشكلها كان "كيوت" جداً. ريم ندهت عليها
"تعالي يا جود.. قربي شوية."
جود قربت، وفجأة ريم طلعت إزازة عطر شيك أوي ورشت منها على نفسها، وبعدين لفت ورشت رشة رقيقة على جود وهي بتبتسم
"افرحي يا ستي.. ده أغلى برفيوم عندي، وشايلاه للمناسبات التقيلة بس، وانتي النهاردة لازم تكون ريحتك حلوة زيي."
الريحة كانت تجنن، هادية وفخمة في نفس الوقت. جود ضحكت وقالت لها بخفة دم
"يا سيدي يا سيدي! ده إحنا النهاردة ناويين على إيه؟ العريس هيتخطف من أول رشة ريحة كدة؟"
وفجأة.. سمعوا خبط منتظم وقوي على الباب. "تك تك تك".
ريم أول ما سمعت الخبطة، ضغطت على إيد جود بقوة من التوتر، وعينيها وسعت وهي بتسألها بهمس مرعوب وهي بتقوم تقف
"جود! شكلي تمام؟ الفستان مظبوط؟ شعري فيه حاجة؟"
جود أخدت تنهيدة طويلة وطمنتها بابتسامة حنينة
"يا بنتي والله زي القمر.. إنتي جميلة في أبسط حالاتك، فما بالك والجمال ده كله طالع النهاردة؟ اهدى خالص."
طلعوا الاتنين بسرعة من الأوضة، ريم دخلت المطبخ "تستخبى" هناك كعادة العرايس لحد ما يندهوا عليها، وجود وقفت في الطرقة ولمحت مشهد خلى قلبها يرق..
شافت "الحب" الحقيقي في البيت؛ أحمد أخوها كان واقف قدام المراية متوتر جداً وعمال يفرك في إيده، ومروة مراته واقفة جنبه بابتسامة رقيقة بتعدل له الجاكيت وبتمسح عليه عشان تخليه واثق في نفسه.
جود وقفت على طرف جنب المطبخ قريبة من ريم اللي كانت بتحاول "تتلقط" أي صوت من برا. أحمد حمحم بصوت عالي عشان يثبت حضوره، وراح يفتح الباب بنفسه، ووراه كانت مامتهم فوزية لابسة عباية شيك جداً وحاطة الشال على راسها بوقار، ومروة "كنة العيلة" كانت واقفة بطلتها الرقيقة وفستانها السماوي اللي يجنن.
الباب اتفتح، ودخل "الأستاذ عصام" بهيبته، راجل شعره أبيض ووقاره سابق خطوته، وبمجرد ما دخل، ملامحه الهادية طمنت الكل إنه "كبير العيلة". وراه دخلت مراته الست "سهام" اللي فتحت دراعاتها وحضنت فوزية بحرارة وكأنهم عشرة عمر، وبعدها دخل "جهاد" ببدلته الكلاسيكية اللي مخليه نسخة من أبوه، ووراهم "ليلي" اللي كانت زي النسمة بفستانها الكيوت وابتسامتها اللي مالية وشها.
وفي الآخر.. دخل هو. الدكتور فراس.
كان "شياكة" تخطف العين؛ لابس بدلة سودة "ثلاث قطع" الجاكيت مرسوم عليه والسديري مدي له مظهر أرستقراطي فخم جداً، والقميص الأبيض ناصع وتحتيه كرافتة سودة سيمبل، وساعته بتلمع في إيده كل ما يتحرك.. طلة كفيلة تخلي أي حد يقف له انتباه.
الاستقبال كان حافل، وكمية الهدايا والحلويات الفخمة اللي جابوها معاهم كانت مالية المكان. في اللحظة دي، جود كانت واقفة ورا "برواز" الباب بتراقب بفضول، وعينيها بتدور وسط الناس.. لحد ما لمحته!
ثانية.. اتنين.. تلاتة.. جود حست إن الأرض بتلف بيها "إستنى.. لا.. مستحيل! هو ده؟ القطر اللي كان بيدوس علينا في المدرج؟"
الضيوف دخلوا الصالة، وريم في المطبخ كانت هتموت وتعرف؛ بتسأل جود بهمس
"شوفتيه يا جود؟ ها.. شكله إيه؟ طمنيني!"
بس جود كانت "صنم"، متجمدة مكانها، ومش حاسة بضوافر ريم المزينة اللي غارزة في دراعها من التوتر.
فوزية دخلت المطبخ بوش منور وقالت
"يلا يا ريم يا حبيبتي، القهوة جاهزة؟ الناس مستنيين برا."
وفجأة، جود "فاقت" وقلبت الآية تماماً؛ مسكت إيد ريم بقوة وبدأت تهزها وهي بتقول بلهجة درامية
"لا يا ريم! ارفضي يا ريم! مستحيل تتجوزيه! البني آدم ده لازم يخرج من البيت ده فوراً!"
ريم بصت لها بذهول وعدم فهم، وماما فوزية وقفت مبرقة
"بتقولي إيه يا بت إنتي؟ ترفضه ليه؟ هو لسه دخل وبعدين لما يجي دورك ابقي ارفضي واعملي اللي إنتي عايزاه، لكن دلوقتي هو جاي لريم!"
جود بصراخ مكتوم
"يا ماما اسمعيني! ده هو! هو الدكتور فراس القاضي !"
وكملت بلوم " ليه ماقلتوش انه ده هو ابن الست سهام؟!"
فوزية
"وإنتي تعرفيه منين يا مقصوفة الرقبة؟"
ريم بتبرير
" ازاي؟! ماانا قلتلك تعالي شوفيه في الصورة وإنتي قلتي مالكيش علاقة ...وبعدين في ايه ؟!"
جود بغيظ
" ده دكتوري في الجامعة !!"
جود أخدت تنهيدة مسرحية وبصت لريم اللي بدأت "تستوعب" وقالت لها
"ده الدكتور الشرير اللي حكيتلك عليه.. اللي ضيع مجهودي وسهر الليالي.. اللي شطب على بحثي بالأحمر لحد ما خلاه ينزف! هو ده الوحش اللي في روايتي يا ريم!"
ريم عينيها وسعت وضحكت بذهول
"يعني.. هو؟ الدكتور اللي كنتي هتضربيه وبتكرهيه ؟!"
جود هزت راسها بحسرة وأومأت بحركة درامية
"أيوه هو! وعشان كدة ارفضي يا ريم.. ده مش مناسب ليكي، ده هيخليكي ترسمي ماكيتات في المطبخ!"
وكملت وهي تهزها
" انتي بنت ناعمة واخت حنونة وماترضيش لآختك يكون صهرها عدوها اللدود!!"
فوزية ماردتش عليها غير بـ "خبطة" خفيفة على راسها وقالت
"بطلي هبل يا بت إنتي، عدو ايه ؟! الناس مستنية برا والراجل زي الفل وشياكة.. يلا يا ريم."
ريم ضحكت من قلبها على خيال أختها وجنانها، وشالت صينية القهوة وهي بتحاول تثبت أعصابها، وخرجت ورا مامتها.
جود فضلت واقفة ورا، سانده بضهرها على الحيطة وبتبص لريم وهي ماشية بالصينية وبتقول في سرها
"يا عيني عليكي يا ريم.. داخلة لـ 'عش الدبابير' بإيدك!".
______
اللحظة الحاسمة جت، وريم خرجت من المطبخ بخطوات هادية وخجل مالي وشها، ماسكة صينية القهوة بإيد بتترعش خفيف. الست سهام أول ما شافتها، عينيها لمعت بالفرحة وبقت تبص لها من فوق لتحت بإعجاب وفخر باختيارها، وكأنها بتقول لنفسها: "هي دي اللي تليق بابني".
ريم بدأت توزع القهوة بالترتيب؛ بدأت بالأستاذ عصام اللي بادلها بابتسامة أبوية حنينة، وبعده الست سهام، وجهاد، لحد ما وصلت لـ فراس. في اللحظة دي، جود كانت واقفة بعيد شوية ومركزة معاهم أوي، وحست إن قلب ريم دق طبول من التوتر. ريم قدمت له الفنجان وهي منزلة عينيها الأرض، وفراس مد إيده وأخده بثبات وهدوء، ولمست أطراف صوابعهم الفنجان لثانية خلت ريم وشها يقلب ألوان.
بعد ما خلصت، ريم راحت قعدت جنب مامتها فوزية وهي بتحاول تلملم شتات نفسها. جود ملقيتش قدامها حل غير إنها تتسحب وتدخل تقعد هي كمان .
الست سهام لفت نظرها وجود جود، فسألت بفضول اكثر منه اعجاب
" ومين دي ياست فوزية ؟"
هنا كل الأنظار اتجهت لجود. جود حست إن جسمها كله نمل، وعرفت من غير ما تبص إن فراس اتصدم زيها بالظبط، ويمكن أكتر؛ "إيه اللي جاب تلميذتي "المشاغبة" هنا؟!"
فوزية ردت بفخر
"دي جود، بنتي الصغيرة ، آخر العنقود"
سهام هزت راسها ، أصل تركيزها كله كان على ريم .
ولفت لمروة وباركت لها تاني على جوازها من أحمد، ومروة ردت بذوق ورقة.
بدأ الجو يهدى، والأستاذ عصام حمحم عشان يبدأ الكلام المهم. بص لأحمد باعتباره "راجل البيت" وبدأ يتكلم بوقار
"يا ابني، إحنا جايين النهاردة نطلب القرب منكم في بنتكم المصونة ريم لابننا فراس. احنا عارفين أصلكم الطيب، وفراس زي ما إنت شايف، راجل معتمد على نفسه، مخلص دكتوراه من فرنسا وشغال دكتور في الجامعة ومهندس، وإحنا يشرفنا نكون نسايبكم."
أحمد رد بتقدير واحترام، وبعد كلام كتير في الأصول والواجب سهام اقترحت
"طيب، مش نسيب العرايس يقعدوا مع بعض شوية يتكلموا؟"
فوزية وافقت، واحمد كمان وقرروا يعطوهم غرفة المعيشة و جود هنا قررت تاخد خطوة انتحارية؛ "أنا مش هسيب ريم لوحدها مع الشرير ده!". ريم كانت مكسوفة، وجود استغلت الفرصة وتبعتهم وقعدت على كرسي قريب جداً منهم، وعملت نفسها مشغولة في الموبايل بس ودنها معاهم "رادار"...
جود كانت بتقول في سرها بغل
"مستحيل الجوازة دي تتم! ريم اختي ومافيش منها وتستاهل حد حنين، مش واحد قلبه حجر وبيشطب على أحلام الطلبة بالأحمر! لو مارحمش غلبانة زيي في المدرج، هيرحم أختي إزاي في البيت؟ أنا لازم أطفش العريس ده النهاردة قبل بكرة!"
قعدت جود مربعة إيدها وبتبص لفراس بنظرة "تحدي" من تحت لتحت، وفراس عدل كرافتته وسند ضهره، وبص لريم اللي كانت بتبص في الأرض، وبدأ يسود صمت تقيل جود ناوية تكسره بقنبلة من قنابلها.
فراس كان قاعد في منتهى الرزانة، لابس بدلته السوداء الشيك اللي مدياله هيبة تخلي الواحد يعمل له ألف حساب، وصوته الهادي وهو بيتكلم مع ريم كان مسموع بالظبط.. بدأ يسألها عن معلومات عنها ، عمرها و دراستها واذا بتشتغل وهي كانت ترد عليه بكل لطافة ...
لحد ما وقفها وسألها
" وإنتي ، مش عايزة تسالي حاجة عني؟"
نبرته خلت عيونها تلمع ، في حاجة غريبة فيه بتجذبها يمكن عشان قاعد يتكلم معاها باريحية وثقة بنفسه عكس اللي سبقوا واللي رفضتهم في اللي وقح زيادة عن اللزوم وفي اللي الكلمة بصعوبة يطلعها .
ردت
" احكيلي انت "
عرف عن نفسه ، ولما وصل لنقطة انه بدا يدرس في الجامعة عينه راحت لعندها ، عند جود اللي كانت في الوقت ده غافلة عليهم شوية و بترد على مسج سجى .
"بصي يا آنسة ريم.. أنا شخص بقدّر الوضوح جداً، وعارف إن الجواز حياة كاملة ومسؤولية. وعشان كدة حابب أسمع رأيك في النقط اللي بتهم أي اتنين بيبنوا بيت.. يعني مثلاً، وجهة نظرك إيه في موضوع السكن؟ والخصوصية؟ وإيه توقعاتك لشكل حياتنا سوا؟"
ريم لسه هتفتح بوقها عشان ترد برقة وخجل، والابتسامة بدأت تترسم على وشها لأنها حست باحترامه لعقلها، راحت جود "نطت" في الكلام وقطعت اللحظة ببرود مستفز
"كويس إنك فتحت السيرة دي يا دكتور.. أصل ريم أختي دي 'دلوعة العيلة'، يعني السكن لازم يكون في مكان يليق ببرستيجها، مفيش حاجة اسمها بيت عيلة ولا شقة في دور أخير.. إحنا بنتكلم في فيلا أو شقة 'ألترا لوكس' وفي أرقى حتة في القاهرة، ده طبعاً غير الشغالة اللي لازم تكون موجودة 24 ساعة لأن ريم مابتمدش إيدها في حاجة."
ريم وشها جاب ألوان وبصت لجود بصدمة، وفراس رفع حاجبه بابتسامة خفيفة وساخرة وهو باصص لجود، وكأنها بقت هي الطرف الأساسي في النقاش. جود كملت ولا همّها
"ده غير اللبس والمصاريف يا دكتور.. ريم مابتلبسش أي حاجة، الميزانية الشهرية للبسها وخروجاتها لوحدها كفيلة تفتح مكتب استشارات هندسية! فهل حضرتك ناوي تشطب على طلباتها دي بالقلم الأحمر برضه وتعيّشها في تقشف؟ ولا مرتب حالك إنك هتكون 'بنك' متنقل؟"
ريم هنا مابقتش قادرة تستحمل، مالت على جود وحاولت تضغط على إيدها عشان تسكت، ومن جهة تانية تبص على فراس وتهز براسها بنفي بس جود كانت في غيبوبة "تطفيش" وكملت بهجوم
"والأهم بقى.. التحكمات! ريم اختي مش بتشتغل وقعدتها في البيت لازم تكون بملوكية، تخرج مع صحابها وقت ما تحب، وتشتري اللي هي عايزاه، وممنوع منعاً باتاً إن حد يفرض عليها كلمة 'لأ' بحجة الميزانية أو الأصول.. حضرتك دكتور في الجامعة أه، بس في البيت ريم هي المديرة، تقدر تلتزم بالشروط دي؟"
فراس سكت لثواني لكن ريم حست انها سنين لحد ما رد بهدوء قاتل وهو باصص لريم
"الحقيقة يا آنسة ريم، أنا بؤمن إن الاتفاق بالعقل بيغني عن أي خلاف.. أما بخصوص طلباتك اختك فأنا شايف إنها بتوصف شخصية مادية جداً، وأنا متأكد إن اللي قدامي دي أرقى بكتير من الكلام ده، ولا إيه؟"
ريم حست إن دمها بيغلي من كسوفها من جود، وبصت لأختها بحدة وهمست بصوت واطي ومكتوم
"جود.. كفاية كدة فضايح! قومي اطلعي برا الأوضة فوراً.. اطلعي! قبل ما انادي على ماما !"
جود بصتلها وشافت الاصرار وواضح انه هي بالغت فوقفت وهي بتزفر بضيق، وعدلت فستانها الأصفر وقالت بتحدي وهي خارجة تهمس لها
"أنا بس بفتح عينك يا ريم.. بكرة لما تلاقي القلم الأحمر داخل في خصوصياتك وميزانيتك ابقي افتكريني!"
أول ما جود خرجت ورزعت الباب، ريم أخدت تنهيدة طويلة وبصت لفراس باعتذار شديد
"أنا بجد بعتذر يا استاذ فراس .. اختي لسه عيلة وتفكيرها مادي وخيالي شوية، أرجوك ماتخدش على كلامها.. "
فراس ابتسم ابتسامة غامضة وقال بصوت واطي "ماتشغليش بالك..طبيعي بتفكر في الافضل لاختها"
ريم ابتسمت وردت
" ايوه...بس ...بس انا عارفة الافضل ليا كويس