الفصل الثاني
المدرج اللي كان قالب بضجيج وهمس، فجأة ساد فيه صمت رهيب، وكأن حد داس على زرار "كتم الصوت" أول ما خطوات جزمة قوية ومنتظمة بدأت تقرب من الباب.. الخطوات كانت ليها رنة واثقة، وخلت الكل يلف رقبته ناحية المدخل بفضول قاتل.
دخل الدكتور فراس القاضي، وبمجرد ما عتب عتبة المدرج، الجو اتغير تماماً. كان شاب وسيم جداً، واضح إنه في أواخر العشرينات أو أول التلاتينات، طلته وهيبته كانت طاغية لابس قميص أبيض شيك وتحتيه بلوفر بضفائر لونه رمادي فاتح، وفوقيهم بالطو أسود طويل مدي له مظهر كلاسيكي وأنيق جداً، وشعره متسرح بعناية ودقنه خفيفة ومهذبة.
في اللحظة دي، المدرج انقسم نصين؛ البنات عيونهم كانت بتلمع بإعجاب واندهاش من "الستايل" والكاريزما، والولاد كانوا بيبصوا لبعض بنظرات مش فاهمين فيها إيه اللي بيحصل، وليه البنات فجأة بقوا مهتمين بمادة "التصميم المعماري" للدرجة دي!
جود كانت في الصف اللي قبل الأخير، حاولت ترفع راسها وتشرئب بعنقها عشان تلمحه، بس الغابة من الرؤوس اللي قدامها كانت حاجزة الرؤية تماماً، فمقدرتش تشوف غير خيال لهيبة الدكتور وهو بيتحرك.
فراس وقف في النص، قلع نظارته الشمسية السوداء بكل ثقة، وحطها على المكتب، وبدأ يتكلم بصوت واضح ورزين
"صباح الخير يا جماعة.. أنا دكتور فراس القاضي، وهدرسلكم السنة دي مادة التصميم المعماري. السنة دي هتختلف تماماً عن اللي اتعلمتوه قبل كده.. مش هنتكلم عن مجرد رسم وخطوط، دي مجرد البداية. طريقتي معاكم هتعتمد أكتر على التطبيق العملي: مشاريع، ماكيتات، تحليل أمثلة حقيقية، وزيارات لمواقع، عشان تحسوا المكان قبل ما تحطوا أي خط على الورق.. المطلوب منكم تكونوا مستعدين تفكروا وتجربوا وتطوروا نفسكم."
خلص كلامه وهو بيبص للمدرج بنظرة فاحصة، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال بتعليق
"بس أنا شايف عدد كبير أوي النهاردة.. ولا ده عشان إحنا أول يوم بس والكل جاي يجرب ؟"
القاعة كلها انفجرت في ضحكات مكتومة وهمهمات، والجو بدأ يفك شوية، وبعدها فراس فتح الكشف وقال
"طيب، خلونا ناخد الغياب عشان نعرف مين اللي ناوي يكمل معانا بجد."
في الوقت ده، جود كانت مشغولة جداً بتدور في شنطتها الزحمة على "نظارة القراءة" الطبية بتاعتها، طلعتها وبدأت تمسحها بمنديل بتركيز عشان تشوف الدكتور ده وتعرف تتابع وراه. فراس كان بيقرا الأسامي بسرعة ويسجل الحضور ، لحد ما وصل لاسمها ونطق بصوت عالي
"جود حسن علي؟"
جود كانت لسه بتظبط النظارة على مناخيرها، ردت وهي لسه بتمسح
"موجودة.."
بس فراس مسمعش، فكر إن "جود" ده اسم ولد وغالباً غايب، فمسك القلم وكان لسه هيعلم "غ": "جود حسن علي.. مش موجود؟"
جود اتخضت، وقفت فجأة من مكانها في الصف اللي قبل الأخير وقالت بصوت عالي ومرتبك وسط الصمت
"أنا.. أنا موجودة يا دكتور!"
فراس رفع عينه من الكشف، وبص ناحية الصوت.. بص للبنت اللي واقفة ورا، اللي لابسة النظارة الطبية وبتبص له بتوتر، ورفع حاجب بذهول للحظة وكأنه افتكر حاجة، وقال بنبرة فيها استغراب صريح
"أنتي جود؟.. معلش، افتكرت الاسم لشاب."
الطلاب بدأوا يضحكوا ويبصوا لجود، وهي حست بوشها بيغلي من الإحراج اما فراس فضل باصص لها ثواني وهو لابس نظرة غامضة، وبعدين رجع عينه للكشف ببرود وقال "تمام يا جود.. اتفضلي اقعدي."
_______
بعد ما دكتور فراس خلص تسجيل الحضور، بدأ يدخل في صلب المحاضرة فوراً وبدون أي مقدمات. طريقته كانت جدية جداً ومختلفة؛ كان بيلف في المدرج وهو بيتكلم بصوت واثق ونبرة "سريعة وعميقة" في نفس الوقت، لدرجة إن جود حست إنها في سباق مع الزمن.
جود كانت منهارة، إيدها وجعتها وهي بتحاول تدون وراه كل ملاحظة، وكانت كل شوية تبص لـ "سجى" بلقف وتهمس لها
"قال إيه؟ قوليلي الكلمة الأخيرة دي كانت إيه؟"، وسجى تحاول توريها الدفتر بتاعها عشان تلحق اللي فاتها.
وفجأة... ساد صمت رهيب في المدرج. فراس وقف عن الكلام تماماً، ونظراته الحادة اتجهت مباشرة ناحية الصف اللي قبل الأخير، بالظبط في اللحظة اللي جود كانت ميلة فيها على سجى وبتهمس لها بتركيز. الهمس ده واضح إنه استفز هدوء فراس وقطع حبل أفكاره.
فراس بص لجود من ورا نظارته وقال بنبرة باردة ومحترمة بس فيها انتقاد
"يا بشمهندسة، لو فيه حاجة مش مفهومة ممكن تسأليني أنا، مش لازم تقطعي تركيز زمايلك بالهمس ده.".
جود، رغم إحراجها، قررت ترد بصراحة وبدون خوف
"أنا أسفة يا دكتور، بس أنا مش بتكلم من فراغ.. أنا بس كنت بسأل سجى عن الجملة اللي حضرتك قولتها لأنك بتتكلم بسرعة جداً وأنا مش عارفة ألحق أدون الملاحظات وراك.".
فراس رفع حاجبه بذهول وكأن ردها فاجئه، وبدأ يرمي معاني وهو بيبص لها بتحدي
"مش عارفة تلحقي؟ طيب وإنتي لما تبقي مهندسة بكره وتقابلي عملاء، هتطلبي منهم يسكتوا أو يهدوا كلامهم عشان تلحقي تدوني طلباتهم وشغلهم؟ ولا هتفضلي كل شوية توقفيهم وتقولي معلش مش لاحقة؟ المهندس الشاطر لازم يكون ذهنه حاضر وإيده أسرع من أفكاره."
جود ملامحها اتغيرت لضيق لكن قررت ترد بذكاء وهي بتنتقد أسلوبه بوضوح
"حضرتك يا دكتور إحنا مش متعودين على الطريقة دي.. إحنا بقالنا سنة متعودين على أسلوب الدكتور عاصي، وكان أسلوبه مختلف تماماً وبيدينا مساحتنا في الاستيعاب والتدوين."
فراس ابتسم ابتسامة صفراء ورفع حاجبه أكتر وهو شايفها بتنتقده علناً قدام المدرج، ورد وكلامه كان موجه ليها وللكل
"دكتور عاصي مدرسة، وأنا مدرسة تانية.. وأنا هنا مش عشان أمليكم كلام تحفظوه، أنا هنا عشان أعودكم على ضغط الشغل الحقيقي اللي هتشوفوه برا.. اللي مش هيقدر يواكب السرعة دي من دلوقتي، هيتعب جداً بعدين."
سجى مالت على جود بسرعة وهمست لها
"اسكتي يا جود.. بلاش تعاندي معاه من أول يوم، ده شكله مش بيعدي حاجة!"
جود رجعت قعدت وهي بتنفخ بضيق، ورمت القلم على الكشكول وهي حاسة إن الدكتور ده "أسوء دكتور" شافته في حياتها، وإن السنة دي هتكون طويلة جداً مع "فراس القاضي".
_____
المحاضرة خلصت من هنا، و"جود" ما استنتش ثانية واحدة؛ لمت حاجتها بسرعة البرق وقامت عشان تطلع وهي حاسة بزهق مش طبيعي. لأول مرة من ساعة ما دخلت الكلية، تحس إنها مش فاهمة المادة أوي، ولا قادرة تستوعب اللي درسته النهاردة. هي أصلاً متعودة تدون كل كلمة وكل نفس بيطلعه الدكتور، حتى الملاحظات البسيطة اللي ممكن زمايلها يطنشوها، لكن النهاردة مع دكتور "فراس" ده، الوضع كان مستحيل وما قدرتش تلحق أي حاجة.
من كتر الغيظ والخنقة، كانت سابت القلم في نص المحاضرة وفضلت حاطة إيدها على خدها بقية الوقت وبتبص له بنظرة لوم. وهي خارجة، كانت بتبرطم بضيق وبتكلم "سجى" بصوت واطي ومخنوق
"شوفتي يا سجى؟ شوفتي الطريقة المستفزة؟ ده مش دكتور ده، ده داخل يدينا سباق جري مش محاضرة!"
سجى بهدوء
"يا بنتي اهدي بس، مفيش داعي لكل ده.. أول يوم ولسه بنتعرف على أسلوبه، الموضوع مش مستاهل حرقة الدم دي."
بس سجى مكنتش فاهمة إن جود كان في راسها خطة وتكتيك تاني خالص؛ البنت كانت مجهزة برنامج المذاكرة ومرتبة جدولها بناءً على نظام الدكاترة اللي عارفاهم وحافظة أسلوبهم، ودلوقتي جه "فراس القاضي" ده في أول يوم وخرب لها كل اللي كانت رسماه.
وفجأة افتكرت أكتر حاجة حرقت دمها وقالت بزهق
"ولا حتة إنه فكرني شاب دي! يعني بذمتك ده شكل شاب؟ ويخلي الدفعة كلها تضحك عليا.. هو كان ضروري يعني يقول الجملة دي قدام الكل؟ إيه الغلاسة دي!"
سجى غصب عنها ضحكت على شكل جود وهي منفعلة، وحاولت تهديها وقالت لها
"خلاص يا جود، حصل خير.. تعالي نطلع بسرعة نلحق المحاضرة التانية قبل ما المدرج يتملي هو كمان ونروح في داهية."
جود مشيت وراها وهي لسه شايلة منه، وقررت إنها مش هتسكت له لو حاول يستفزها تاني، بس الأكيد إن هدفها إنها تطلع "الأولى على الدفعة" بقى أصعب بكتير بوجود الدكتور ده.
______
اليوم مر بكل اللي فيه من محاضرات وتعب ودراسة، وأخيراً جود وسجى خلصوا دوامهم وبدأوا يتمشوا في طرقات الجامعة عشان يروحوا. وبين زحمة الطلاب، سجى فجأة وقفت
" مش ده دكتور فراس؟"
جود بصت بطرف عينها بلامبالاة، بس أول ما سجى كملت جملتها وقالت
"ده طلع هو فعلاً صاحب العربية الـ BMW السوداء اللي كانت مركونة الصبح!"، جود عينيها وسعت على آخرهم وحست إن مفاصلها سابت.
يعني... يعني هو! هو نفس الشخص اللي شاف صباعها في بوقها وهي بتعدل سنانها قدام قزاز عربيته!
جود أخدت تنهيدة طويلة ومكتومة وهي بتبصله من بعيد، كان واقف بكل هيبة بيفتح باب عربيته. كان لابس نظارته السوداء ومنزلها شوية على مناخيره، وفي اللحظة اللي لمحها فيها واقفة وبتبصله بذهول، جود لفت وشها الناحية التانية بسرعة البرق، وعملت نفسها مشغولة في أي حاجة تانية وبتدعي إن مفيش حاجة حصلت.
فراس في أقل من ثانية كان ركب عربيته وقفل الباب، وواضح إنه خلاص هيمشي ويسبق الزحمة. جود وسجى هما كمان كملوا مشيهم، وجود جواها بركان من الخجل والغيظ، وعمالة تفكر إزاي هتقدر تحط عينها في عينه المحاضرة الجاية بعد ما عرفت الحقيقة المرة دي.
_______
كانت واقفة بتنشف إيديها في المنديل أول ما شافت جود داخلة من باب البيت ، وقالت لها بابتسامة هادية وناعمة
"نورتي البيت يا جود.. "
جود كانت واصلة قمة التعب، وبدأت تشلح الشوز بتثاقل وهي بتنهج من مشوار الجامعة وطول اليوم، والبهدلة اللي شافتها في الأتوبيس ومشاكله اللي مابتخلصش، وردت بصوت واطي ومجهد
"ده نورك يا مروة.. الله يسلمك."
اتقدموا هما الاتنين مع بعض لجوه، وريم اللي كانت واقفة مع مروة في المطبخ بيساعدوا بعض في تحضير العشا، أول ما شافت أختها عرفت إنها ميتة من التعب من شكل عينيها وهدومها.
جود سألت وهي بتدور بعينيها في الارجاء
"هي ماما فين؟"
ردت ريم وقالت لها
"ماما عند الجارة وكمان شوية وجاية.. قوليلي بقى، عملتي إيه في أول يوم دوام؟"
أول ما السيرة دي اتفتحت، جود كشرت على طول وبان على وشها الضيق وقالت بحدة
"ماتذكرنيش! ماتفتحيش السيرة دي دلوقتي خالص."
ريم ومروة بصوا لبعض باستغراب وهما مش فاهمين في إيه، وكملت جود وهي بتعدّد مآسي يومها
"قلة نوم، على مرمطة أتوبيسات وزحمة، على دكتور لا يطاق بجد.. مزيج لا يعلى عليه، يوم يتقال فيه يا فتاح يا عليم!"
مروة وقفت وسألتها بفضول
"دكتور؟ دكتور مين اللي مضايقك كدة؟"
جود بدأت تشتكي وتطلع اللي جواها من أسلوب دكتور فراس وطريقته، وبعدين نفضت راسها كأنها بتطرد صورته من خيالها وقالت
"أنا مش عايزة أتذكره ولا أجيب سيرته دلوقتي.. أنا هقوم أغير أواعيّ دي وأرمي نفسي على السرير وأنام، مش شايفة قدامي."
ريم نادت عليها وهي ماشية
"طب والعشا ؟ مش هتاكلي معانا؟"
ردت جود وهي داخلة أوضتها
"لو صحيت هبقى أتعشى، ولو ما صحيتش سيبوني نام ومحدش يقلقني."
مروة بصت لريم باستغراب من حالة جود، لكن ريم اكتفت بابتسامة وهي فاهمة إن أختها لما بتقفل بتقفل، ورجعوا يكملوا شغلهم في المطبخ وتحضير العشا بهدوء.
______
فتحت عينيها بالعافية، مدت إيدها بتثاقل وبصت في الساعة لقتها تسعة ونص بالليل.. الأوضة كانت هادية، والسرير اللي قدامها -سرير ريم- كان مترتب ونضيف، فعرفت إن ريم لسه قاعدة برا مع العيلة. للحظة، فكرت تغمض عينيها وترجع تكمل نوم وتنسى العالم، بس بطنها بدأت تقرصها من الجوع؛ فقررت تقوم تاكل أي لقمة وترجع تاني. لبست شبشبها وخرجت بخطوات تقيلة وهي بتجر نفسها لغاية الصالة.
وهي معدية، لقت "التلاتة" قاعدين: مامتها فوزية، وريم، ومروة. التلفزيون كان شغال على مسلسل بس محدش باصص عليه، لأنهم كانوا غرقانين في موضوع مهم جداً، وريم كانت ماسكة الموبايل ومركزه فيه أوي وبتقلب فيه بلهفة.
جود ولا كأنها شافت حاجة، دخلت المطبخ وطلعت طبق من البراد كان فيه فطاير، ومن كتر الكسل حتى مفكرتش تسخنهم، أخدت الطبق وهي راجعة لأوضتها، بس مامتها فوزية وقفتها بصوتها الحنين
"تعالي هنا يا جود.. إيه يا بنتي، ماشفتكيش طول اليوم، ولما رجعتي قالوا لي إنك نمتي فوراً.. كل ده تعب يا حبيبتي؟"
جود اكتفت بإيماءة بسيطة من راسها وهي بتمضغ بالعافية، وكأنها بتقول لها "تعبت أوي يا ماما".
فجأة ندهت عليها ريم بحماس
"جود! تعالي بصي بسرعة!"
جود وقفت مكانها بزهق وسألتها
"أبص على إيه؟ في إيه يا ريم على الصبح.. قصدي على الليل؟"
ريم ردت بخجل خفيف ووشها منور
"في حد جاي يخطبني!"
جود ردت ببرود تام وهي لسه باصة للطبق
"بجد؟ مبروك."
ريم اتغاظت من رد فعلها البارد وقالت
"إيه ده؟ مبروك كدة على الناشف؟ مش هتقولي مين؟ ولا جه إزاي؟ ولا ابن مين وكيف؟"
وقبل ما جود تلحق تفتح بوقها، ريم كملت المعلومات بسرعة
"فاكرة يوم فرح أحمد ومروة؟ كان في ست سألت عليا هناك.." جود حاولت تفتكر أي ست من وسط المعازيم، بس دماغها كانت مقفولة تماماً، فهزت راسها "تسليك" وخلاص عشان تخلص من الرغي.
ريم كملت بحماس
"إحنا قولنا القصة اتنست خلاص والست ما اتكلمتش تاني، بس فجأة اتصلت بماما وناوية تحدد معاد عشان يجوا، أصل ابنها لسه راجع من فرنسا!"
ورفعت الموبايل قدام وش جود عشان توريها الصورة، بس طبعاً المسافة كانت بعيدة وجود أصلاً مش مهتمة فمشافت ملامحه خالص. دحشت الفطيرة في بوقها وقالت وهي ماشية
"الله يهنيكم ويتمم لها على خير.. المهم بس أحمد يوافق عليه "
ماما فوزية ردت عليها
"وأحمد هيعترض ليه طالما الشاب شهم ومحترم وابن ناس؟"
بس جود كانت خلاص دخلت في "مود" النوم التاني، ومكانش فارق معاها أي حاجة في الدنيا غير السرير، ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.
________
دخلت ريم الأوضة، لقت جود متسطحة على السرير ورافعة الموبايل قدام وشها، والضباب بتاع الشاشة منور ملامحها في الضلمة. راحت ناحية الخزانة وبدأت تطلع بيجامتها وهي بتقول بنبرة فيها ضحكة
"إيه ده؟ إنتي لسه صاحية؟ ده أنا قولت هتدخلي تروحي في النوم فوراً.. هربتي هنا يعني وقفلتي على نفسك؟"
جود كانت عمالة تقلب في الـ "ريلز" بصبعها، طالعة نازلة بتلقائية من غير تركيز حقيقي، وردت بصوت واطي
"أهو.. قولت أفك عن نفسي شوية قبل ما أنام بجد، يومي كان طويل أوي يا ريم ومحتاجة أفصل."
ريم سكتت لحظة وهي بتطلع هدومها، وبعدين رجعت تفتح موضوع الخطوبة تاني، وكأن الكلام واكل قلبها وعايزة تشاركه مع حد. جود أول ما سمعت سيرة العريس، وقفت الموبايل وحطته على صدرها وبصت لريم باستغراب حقيقي.. استغراب خلى حواجبها تترفع
"إيه يا ريم؟ إنتي بالعادة أي عريس بيجي بتطلعي فيه القطط الفاطسة وبترفضيه من قبل ما يشوفك.. اشمعنى ده مهتمة بيه أوي كدة؟ وإنتي أصلاً لسه ما تعرفيش عنه حاجة!"
ريم وقفت مكانها وهي ماسكة تيشرت البيجامة بطرف صوابعها، وبصت للفراغ بلحظة صدق مع نفسها، وقالت بنبرة هادية ومستغربة هي كمان
"والله يا جود مش عارفة.. أنا نفسي مستغربة روحي. بس يمكن.. يمكن عشان الصورة؟ مش عارفة أشرحلك، بس من ساعة ما شفت صورته وحسيت بحاجة مختلفة.. يعني، قدر يعجبني من غير ولا كلمة."
ضحكت ريم بارتباك ووشها قلب أحمر، وكملت وهي بتحاول تداري حيرتها
"مش عارفة أوصفلك الإحساس، بس حاسة إنه غير الباقيين."
جود فضلت باصة لأختها بصمت طويل.. مكنش عندها أي رد تقوله، ولا عارفة تعبر عن اللي جواها. وهتقول إيه أصلاً؟ هي طول عمرها "دحيحة" ومركزة في دراستها وبس، عمرها ما عرفت حد، ولا حبت حد، ولا حتى حد اتقدم لها بشكل رسمي يخليها تحس بالمشاعر دي. الإحساس اللي ريم بتتكلم عنه ده غريب جداً عليها، وكأن ريم بتتكلم لغة تانية هي مش فاهماها ولا قادرة تستوعبها. اما ريم فبدأت تلبس هدومها وتجهز نفسها عشان تنام.
_______
الأسبوع ده مر على جود وكأنه ماراثون طويل مبيخلصش، كانت صاحية فيه "على شعرة" وبكامل تركيزها. في كل المحاضرات التانية، جود كانت هي "النجمة"؛ تقعد في أول بنش، تسجل كل كلمة، وتناقش الدكاترة بذكاء واجتهاد خلى الكل يعمل لها ألف حساب. كانت ماشية بمبدأ "أنا هنا عشان أثبت نفسي"، وفعلاً كانت بتعدي كل الحصص بتفوق وراس مرفوعة.
لحد ما توصل لمحاضرة "البعبع".. دكتور فراس القاضي.
أول ما بتدخل مدرجه، كانت بتحس إنها بتفقد السيطرة. فراس مبيستناش حد، شرحه عامل زي الطلقة، "سريع وعميق" لدرجة تخلي الواحد ينهج وهو قاعد مكانه. جود كانت غصب عنها، وبينها وبين نفسها، بتعترف إنه شاطر جداً ومعلوماته تقيلة ومختلفة، بس "نفسنتها" منه كانت مخلياها مش طايقة المادة. وزي ما بنقول في مصر: "القلب وما يهوى"، ولو كرهت الدكتور، المادة كلها بتقفل في وشك مهما كانت حلوة.
الأيام عدت، والمواجهات بينهم كانت "شرارة" مكتومة. في مرة من المرات، جود رفعت إيدها وقامت وقفته عشان تسأل في تفصيلة صغيرة أوي هو قالها في نص الشرح. فراس بص لها من ورا نظارته الطبية ببروده المعتاد وقال لها بلهجة شافتها مستفزة
"يا بشمهندسة جود، إنتي بتسألي في تفاصيل مالهاش أي لازمة دلوقتي.. التدقيق الزيادة ده بيضيع وقت المحاضرة في حاجات مش محتاجة كل ده. خليكي في المضمون أحسن."
جود وشها احمر من الغيظ وردت عليه بتحدي
"التفاصيل هي اللي بتعمل الفرق يا دكتور، وحضرتك اللي قولت إن المهندس الشاطر هو اللي بياخد باله من كل حاجة."
فراس مكتفاش غير بإيماءة باردة من راسه وكمل شرحه ولا كأنها اتكلمت، وده اللي كان بيجننها أكتر.. بروده ده كان بيحرق دمها حرفياً!
وفي آخر محاضرة في الأسبوع، فراس وقف في نص المدرج ورمى القنبلة بتاعته
"مطلوب من كل واحد فيكم تقرير سريع ومركز يوضح:
تصميم جسر ، الحسابات الأساسية للثبات والتحميل، ومبدأ القوة والشد والانحناء. قدامكم يومين بالظبط والتقرير يكون على مكتبي، عشان ده اللي هنبدأ بيه شغل المشروع العملي.. اللي مش هيهتم بالتقرير ده، ملوش مكان معايا في المشروع."
جود لمّت حاجتها بعصبية وهي بتبرطم لسجى اللي كانت مش فرحانة بالواجب
" ماشي يا دكتور فراس، أنا هوريك جود حسن هتعمل إيه."
جود قررت إنها مش بس هتعمل التقرير، دي هتعمل "تحفة فنية" تخلي دكتور فراس يعرف إن أسئلتها وتدقيقها مش من فراغ، وإنها مابتسألش لمجرد الرغي، ده ذكاء وشطارة هيطلعوا في الورق ده. كانت ناوية تخليه "ينبهر" غصب عنه، ويراجع نفسه في كل كلمة قالها لها.
_______
يومين كاملين جود مانمتش فيهم زي الخلق، كانت "عايشة" حرفياً جوه المراجع والمواقع العلمية، بتدور هنا وهناك، لدرجة إن عينيها بدأت تحمر من كتر التركيز قدام الشاشة والكتب. سجى صاحبتها كانت هتموت وتفهم هي ليه عاملة في نفسها كده، وكانت شايفة إن البحث "مش مستاهل" كل المجهود الجبار ده، خصوصاً إنه في الآخر مجرد واجب وتكليف عادي ومش عليه درجات في أعمال السنة.. لكن جود كان عندها رأي تاني خالص.
جود كانت شايفة إن الموضوع "تحدي شخصي".. هي بس عايزة تثبت نفسها وتثبت إنها شاطرة. كانت بتسأل نفسها بغيظ: "اشمعنى هو الدكتور الوحيد اللي مش مقدر ذكائي ولا أسئلتي؟ ليه دايماً بيحسسني إن كلامي ملوش لازمة؟".
وعشان كده، ما سابتش مرجع، ولا فكرة، ولا تفصيلة صغيرة عن وزن الجسر ولا مبدأ التوازن إلا وجابت أصلها وفصلها.
كانت قاعدة على مكتبها، والدنيا حواليها "سلطة" من الأوراق والأقلام، لما دخلت عليها ريم. ريم وقفت مذهولة من شكل الأوضة ومن حالة جود اللي بقت "شبه الزومبي"، وسألتها باستنكار
"إيه يا بنتي اللي إنتي عاملاه في نفسك ده؟ هو إنتي هتفضلي كده على طول؟ إيه كل ده عشان خاطر مادة؟"
جود كانت مشغولة بتكتب معلومة مهمة، مابصتلهاش حتى ولا رفعت عينها من على الورق، وكأنها في عالم تاني خالص ومش سامعة ريم بتقول إيه.
ريم نفخت بضيق واستنكرت نسيان جود التام للموضوع الأهم في البيت، وقالت بحدة
"هو إنتي نسيتي ولا إيه؟ مش قُلنا إن الست سهام اتصلت والنهاردة حددوا ميعاد "الطلبة" والناس جايين يشوفوني قريبا ؟"
جود ردت ببرود وهي لسه بتكتب
"أنا عندي جامعة يا ريم، مش هكون موجودة في البيت وقتها، سلمولي عليهم."
ريم وقفت قدامها بالظبط وسدت عليها الرؤية وردت بتهكم
"جامعة إيه يا فصيحة؟ إنتي لسه نايمة؟ الطلبة ميعادها يوم الجمعة! يعني مفيش دوام ولا فيه محاضرات."
جود رفعت عينيها وبصت لريم بذهول وكأنها لسه مكتشفة إن فيه أيام أسبوع أصلاً
" جمعة ؟!"
"أيوة يا أختي الجمعة!".. واعتدلت في وقفتها وكملت بكبرياء
"شكله (قصدها العريس) عنده دوام طول الأسبوع ومش فاضي، وعشان كده حددوا يوم الإجازة."
جود هزت كتافها بلامبالاة تامة ورجعت تدفن راسها في الورق، وكأن العريس ده جاي من كوكب تاني ومش هاممها أمره بقرش صاغ. ريم اتغاظت منها جداً، وضربتها ضربة خفيفة "هزار بغيظ" على راسها وسابتها وخرجت وهي بتبرطم، وجود فضلت مكملة في "معركتها" مع البحث، مستنية اللحظة اللي هتقدمه فيها لدكتور فراس.
______
اليوم اللي بعده...
فراس بدأ يلم "الواجبات" من الطلبة واحد واحد، والكل كان بيسلم ببساطة ، إلا جود اللي سلمت التقرير بتاعها وهي حاطة عينها في عينه بثقة، وكأنها بتقدم له "صندوق أسود" فيه كل أسرار الجسور .
بعد ما لَم الأوراق كلها ورصّهم على المكتب بنظام، أكد عليهم بصوته الرزين
"تمام يا بشمهندسين.. تقدروا تتفضلوا دلوقتي، وتعدوا عليا في المكتب بعد الدوام عشان تستلموا التقارير دي وتعرفوا ملاحظاتي عليها."
واحد من الطلبة وقف باستغراب ورفع إيده وسأله بفضول
"يا دكتور، هو حضرتك مش قولت إن التقارير دي تجربة ومش عليها درجات؟ "
فراس وقف مكانه وظهرت على وشه ابتسامة خفيفة، ابتسامة ذكية فيها معنى كبير، ورد بهدوء
"كون إنها مش عليها درجات، ده مش معناه إني مش هقرأها أو مش ههتم أعلق عليها.. أنا هنا عشان أعلمكم، والتعليم بيبدأ من الأخطاء اللي بتعملوها في التقارير "اللي مش عليها درجات" دي.. أشوفكم بعد الدوام."
سجى أول ما سمعت الجملة دي، مالت على جود وهمست لها بذهول
"يا بنتي الدكتور ده متحمس بشكل مش طبيعي! ده بجد ناوي يقرأ كل ورقة ويعلق عليها؟ ده إحنا كدة وقعنا مع دكتور مبيسيبش الهفوة."
جود ماردتش، لكن نظرتها كانت "قاتلة" وهي باصة لفراس وهو بيلم حاجته. كانت نظرة فيها تحدي وغيظ، وكأنها بتقول لنفسها
"ماشي يا دكتور فراس، اقرأ براحتك ووريني هتطلع في تقريري غلطة واحدة إزاي!".
سجى زفرت بقلة حيلة ونفخت بضيق وهي شايفة صاحبتها "قفلت" وعقدت النية على المواجهة، وعرفت إن جود خلاص علقت على الموضوع بزيادة، وإن اليوم ده مش هيعدي على خير أبداً في مكتب الدكتور.
________
جود كانت ماشية بتسحب سجى من إيدها وكأنها بتسحبها لمعركة حربية، وسجى ماشية وراها بقلة حيلة وهي مش مهتمة أصلاً بالتقرير، بس جود كانت "خلاص" قفلت معاها ولازم تروح تجيب حقها الأدبي من الدكتور ده.
وصلوا المكتب، وكان فيه مجموعة طلاب واقفين مع دكتور فراس في نص المكتب، وهو ماسك تقاريرهم وبيعلق عليها بهدوء. جود وقفت على جمر، ودنها معاه ومستنية اللحظة اللي تقتحم فيها المكتب وتسمع منه إزاي "بهرته" بذكائها وقدرت تكسر نظرته عنها. سمعته وهو بيقول لواحد من الطلاب
"بحثك جيد، فيه أخطاء بسيطة بس المبدأ صح..".. جود ابتسمت بانتصار داخلي وقالت في سرها
"لو ده جيد.. أنا بقى بحثي هيبهرك".
الطلاب خرجوا، وسجى استأذنت ودخلوا. أول ما عينه جت في عين جود، ساد صمت لثواني وكأن فيه "شرارة" تحدي بتنور المكان. فراس مد إيده وأخد ورقة سجى بعد ما عرف اسمها، أما جود، فمد إيده وطلع ورقتها من غير ما يسال أصلاً.. جود فهمت فوراً إن اسم "الولد" اللي علق في راسه أول يوم، خلاه يحفظ ورقتها وسط مية ورقة.
جود خطفت منه البحث بسرعة وبدأت تفر في الورق بلهفة، وسجى كانت واقفة بتبتسم للدكتور "كدلع بنات" ومش فارق معاها البحث قد ما فارق معاها تدردش معاه، لكن فجأة الكل سكت...
جود شهقت باستنكار وصوتها طلع غصب عنها
"إيه ده؟!"
البحث كان "مجزرة"! تقريباً مفيش سطر إلا ومعلم عليه بالقلم الأحمر، ملاحظات وتعديلات وشطبات في كل حتة، لدرجة إن الورقة البيضاء بقى لونها أحمر!
فراس بص لها ببرود قاتل وسألها
"فيه مشكلة يا بشمهندسة؟"
جود انفجرت
"مشكلة؟ حضرتك معلم على تقريري كله ! مستحيل! دي مش أخطاء يا دكتور، أنا مراجعة كل معلومة من تلات مراجع عالمية!"
بدأت جود تدافع عن بحثها بحرقة، وتشرح الحسابات والنتائج، وفراس ساند ضهره لورا ومربع إيده، ولما خلصت رد بنبرة هادية ومستفزة
"التقرير منسق ومرتب جداً يا بشمهندسة.. بس الحقيقة هو 'ممل' جداً. بيفتقد للتحليل العميق، ومجرد رص معلومات وتجربة عملية مش مقنعة بالمرة. إنتي بتنقلي مراجع مش بتفكري كمهن