حين احببتك بالخطأ ( طالبة تقع في حب دكتورها في الجامعة و خطيب اختها) - الفصل الاول - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين احببتك بالخطأ ( طالبة تقع في حب دكتورها في الجامعة و خطيب اختها)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

بداية ... الدنيا كانت مقلوبة رأساً على عقب في صالة الحفل... مش شوية، لا لا، النهاردة فرح أخويا الكبير "أحمد". أخويا الوحيد، وحبيب ماما... راجل بمعنى الكلمة، ومن يوم وفاة بابا الله يرحمه وهو شايلنا، تعب واشتغل ووقف في ضهرنا أنا وأختي الكبيرة "ريم"... كان هو السند الحقيقي لينا كلنا. البيت كان زحمة ناس، وضحك، وحياة... والأغاني مالية المكان، والكل بيرقص وبيزغرط، جو ميتوصفش من الفرحة. ريم بقى... ريم النهاردة كانت حالة خاصة، خطفت الأنظار بفستانها الوردي الرقيق ، فستان طويل ومنساب بلون هادي جداً، والكمام واسعة وشكلها شيك أوي مديالها طلة زي الأميرات، مع عقد لولي أبيض منور رقبتها... كانت بجد ملكة، هي أصلاً قمر بس النهاردة كانت فاقت التوقعات. طول الوقت وهي رايحة جاية مع ماما وخالاتي، بتشرف على كل كبيرة وصغيرة عشان الفرح يطلع بأحسن صورة. وبعدين... جت العروسة. مروة... مش بس مرات أخويا، دي حبيبته. صبرت معاه أربع سنين لحد ما قدر يقف على رجله وييجي يطلبها رسمي، بنت أصول ووافقت تعيش معانا في بيت واحد. آه، نسيت أحكي لكم عن نفسي... أنا "جود"، آخر العنقود، عندي 20 سنة وبدرس هندسة سنة تانية. بصراحة... أنا كمان النهاردة لبست وشيكت نفسي، وحطيت ميك آب خفيف، مع إني ماليش في الجو ده أوي، بس ريم ما سابتنيش في حالي وصممت تخليني أشيك واحدة. كنت لابسة فستان  بيج فاتح رقيق جداً  منفوش شوية ومحدد الخصر، مخليني رقيقة وهادية خالص. وفجأة... بدأ الرقص! أول ما بدأت الأغاني السريعة، ريم قامت... يا ربي على خفتها! بترقص وهي طايرة من الفرحة، والناس كلها قامت معاها والجو سخن جداً. وفجأة... لقيتها جت شدتني من إيدي وسحبتني وسطهم! وأنا؟ أنا أصلاً ماليش في الرقص زيهم! وقفت في النص، بصفق بس وبحاول أحرك رجلي عشان ما أخبطش في حد، ولما لقيت الجو ولع والكل مندمج... قلت خلاص، أنا "خارج التغطية". بدأت أنسحب بشويش... بشويش... وقلت في بالي  "يا جود، اهربي بكرامتك قبل ما تفضحي نفسك قدام العيلة كلها". روحت قعدت جنب العروسة أصفق معاها وخلاص، ده الدور اللي لايق عليا النهاردة. كنت بضحك مع مروة والجو لطيف، لحد ما جت ريم وهي بتعدل شعرها كأنها نجمة الحفلة، بصيت لها وقلت بضحك "شبعتي رقص ولا لسه؟" ضحكت بعينيها اللي بتلمع وقالت لي "وإنتي هربتي ليه؟" رفعت حواجبي وقلت بتحدي مزيف  "ماهربتش ولا حاجة!" ابتسمت ومالت على مروة سألتها بحنية "محتاجة حاجة يا عروسة؟" مروة هزت راسها بكسوف وقالت "لا يا حبيبتي، تسلمي يا ريم." باين عليها لسه بتتحج مننا رغم إنها بقت واحدة مننا خلاص، فماقدرتش أسكت وقلت بضحك "هي مش محتاجة غير عريسها بس!" ريم قرصتني في ذراعي بخفة وقالت "اتلمي يا بنت!" وضحكنا إحنا الثلاثة من قلبنا. وفجأة... الأغنية اتغيرت، وهنا عرفت إن المصيبة جاية! ريم بصت لنا نظرة شريرة وقالت "المرة دي بقى، مفيش هروب!" وحلفت علينا لازم نرقص معاها. وقبل ما أنطق بكلمة، كانت شدت مروة ووقفتها، ومروة المسكينة قامت وهي بتضحك بكسوف، والستات لما شافوا العروسة قامت، الكل لف حوالينا والزغاريد ملأت الدنيا! وقفت مكاني وقلبي بيدق وقلت لنفسي  "يا جود... دي نهايتك!" اتنهدت وقلت "آه... خلاص... أمري لله." ودخلت وسطهم... لا عارفة أرقص ولا عارفة أودي إيدي فين، بس كنت بضحك وبحاول أمشي مع الريتم وخلاص! ______ في اللحظة اللي كانت فيها ماما "فوزية" واقفة بتصقف وفرحانة بينا وبعروستها الجديدة، قربت منها واحدة ست وفضلت تسألها عن واحدة من البنات اللي بيرقصوا. ماما فوزية مكنتش عارفة هي تقصد مين بالظبط وسط الزحمة، بس الست اللي اسمها "سهام" شاورت بإيدها على أختي ريم اللي كانت منورة بالفستان الوردي ... ماما فوزية ابتسمت أول ما عرفت إنها تقصد ريم، وقالت لها بفخر "أيوه يا حبيبتي.. دي بنتي ريم." سهام الظاهر إن ريم خطفت قلبها بجد، وفضلت تمدح فيها وتقول لماما "بسم الله ما شاء الله عليها.. البنت دي من الصبح وعيني عليها، بنت أصول بجد، ومسابتش حد في القاعة غير لما سألته لو محتاج حاجة، وتلف على الترابيزات تتطمن على الناس والضيافة.. رقة وأدب وشياكة، دخلت قلبي من أول نظرة والله." طبعاً ماما فوزية وشها نور من الفرحة، مفيش أغلى عند الأم من إنها تسمع حد بيمدح في تربية بناتها وبيشكر فيهم قدام الناس بس سهام مكنتش بتسأل دردشة وخلاص، دي بدأت تلمح وتقول لماما إن عندها ابنها الكبير "عريس لقطة"، وإن ريم دخلت قلبها وعايزاها لابنها. ماما فوزية اتلخبطت شوية ومكنتش عارفة ترد تقول إيه وسط هيصة الفرح، فقالت لها بصوت واطي وهادي "ده من ذوقك يا حبيبتي، تسلمي على كلامك الحلو ده.. بس والله إنتي عارفة إحنا لسه في فرح أخوها ومفكرناش في الموضوع ده خالص دلوقتي، والشورى أكيد لريم ولأخوها الكبير.. ربنا يقدم اللي فيه الخير." سهام كملت كلامها بسرعة عشان تطمن ماما وقالت لها "يا حبيبتي أنا مش مستعجلة خالص، براحتكم خالص، إحنا بس نفرح بالعريس النهاردة وبعد الفرح نبقى نتكلم براحتنا.. أنا بس كان نفسي آخد رقمك ونتواصل، وابني أصلاً شغال برا في فرنسا ولسه منزلش مصر دلوقتي، ولما ينزل إن شاء الله يحلها ألف حلال ونشوف النصيب فين." ماما فوزية هزت راسها بالموافقة وهي لسه الابتسامة على وشها، وأخدوا أرقام بعض، وسهام مشيت وهي فرحانة كأنها لقت كنز.. وأنا كنت واقفة بعيد و  ريم مشغولة في الفرح ومش دارية خالص إن فيه "عريس من فرنسا" بيترتب لها وهي بترقص! ______ وفجأة... الأنوار هديت خالص، والمزيكا اتغيرت لـ "مارش" ملكي هادي ومؤثر، والكل وقف وعينيه على الباب... لحظة دخول أحمد أخويا كانت هيبة بجد! لابس البدلة السوداء وشياكته تخطف القلب، وماشي بخطوات واثقة والابتسامة مش مفارقة وشه. أول ما دخل، القاعة كلها اتهزت من التصفيف والزغاريد اللي مكنتش بتخلص. أنا وريم كنا واقفين في أول الصف، وأول ما قرب مننا، ريم مقدرتش تمسك نفسها، عينيها دمعت من الفرحة وفضلت تصفق وهي بتضحك من قلبها، وكأنها بتقول للدنيا كلها "شوفوا ده أخويا.. ده سندي". أنا كمان كنت حاسة بقلبي بيدق جامد، الفرحة كانت أكبر من أي كلام، أخيراً أحمد بيفرح وهيبني عيلته! أحمد مشي لحد ما وصل للكوشة عند مروة، ووقف قدامها ثواني وهو بيبص لها بنظرة كلها حب وفخر. مروة كانت مكسوفة جداً ووشها في الأرض، قام هو بكل رقة باس راسها، ومسك إيديها وباسها قدام الكل... اللحظة دي خلت القاعة كلها تولع تصفيق وصياح، والمنظر كان رومانسي جداً ويجنن. ماما فوزية كانت واقفة بعيد شوية، بتشوف المشهد ده وعينيها بتلمع بالرضا. ملامحها كانت بتقول إنها مرتاحة ومطمئنة؛ شايفة ابنها اللي تعب وشال الحمل كبر وبقى عريس، واختار بنت أصول زي مروة تصونه.  مالت على اختي وقالت  "ربنا يسعدهم يا بنتي.. مروة تستاهل أحمد، وأحمد يستاهل كل خير". الجو كان مليان طاقة حب مش طبيعية! بعد ما قعدوا في الكوشة، المزيكا اشتغلت "سلو"، وأحمد قام رقص مع مروة، وإحنا كنا محاوطينهم بالورد وبنضحك. ريم كانت طايرة، تروح لماما تبوس إيدها، وترجع لنا وتظبط فستان مروة، وتتأكد إن كل حاجة تمام. أنا كنت واقفة ببتسم وبراقب الفرحة في عيون الكل، وحسيت إن البيت فعلاً كمل النهاردة. كان يوم ميتنسيش، والكل كان فرحان من قلبه ليهم. _______ الليل ... ريم بصت لماما باستغراب ووقفت مكانها فجأة، وقالت بصوت فيه دهشة "بتقولي إيه؟ ومين ده يا ماما؟" أنا في اللحظة دي كنت خلاص جبت آخري، رميت نفسي على الكنبة بإهمال وتعب، الفستان كان هيطق مني ورجليا وجعتني من الوقفة والرقص، خصوصاً إن الصالة فضيت خلاص، وأحمد ومروة زمانهم وصلوا الفندق عشان يبدأوا حياتهم سوا.. الفرح خلص بس الحكايات لسه بتبدأ. ماما فوزية قعدت وبدأت تحكي لريم عن "طنط سهام" والكلمتين اللي قالتهم لها في وسط الزغاريد، وإن الست معجبة بيها جداً وعايزاها لابنها الباشمهندس اللي في فرنسا. ريم وشها اتغير، مش عارفة ده كسوف ولا اعتراض، وقالت بسرعة "يا ماما مش وقته خالص! إحنا لسه مخلصين فرح أحمد حالاُ، وتعبانين، وبعدين مين الناس دول أصلاً؟ إحنا نعرف عنهم إيه عشان نفتح سيرة زي دي دلوقتي؟" ماما فوزية طبطبت على إيدها وهدّتها وقالت لها برواق "يا بنتي اهدي بس، مفيش حاجة هتحصل دلوقتي خالص.. الست كانت ذوق جداً وبنت أصول، وقالت لي إن ابنها لسه قدامه فترة على ما ينزل مصر، هي بس حبت تفتح كلام وتعرف فيه نصيب ولا لأ.. والست سهام باين عليها ست مريحة وكلامها يطمن." ريم سكتت وبدأت تلعب في العقد اللي في رقبتها وهي بتفكر، وأنا كنت مراقباهم من بعيد وبضحك في سري، وقلت في بالي: "شكله كده البيت مش هيهدا، وفيه فرح جديد بيطبخ على نار هادية!" خصوصا وانا عارفة انه العريس ده من فرنسا او من المريخ ريم اكيد هترفضه زي ما رفضت اللي قبليه. __________ سبتمبر… الشهر اللي بييجي دايمًا بين حاجتين، لا هو صيف خالص ولا شتا لسه قررت تبدأ. الجو فيه بيبقى عامل زي قلب حد تايه… شوية حر يلسعك، وشوية نسمات خفيفة كأنها بتطبطب عليك وتقولك “استحمل، كله هيعدي”. في سبتمبر، الشوارع بترجع تصحى تاني… صوت المدارس، شنط جديدة، ووشوش فيها حماس وخوف مستخبي ورا الضحكة. والشجر يبدأ يغير لونه واحدة واحدة، كأنه بيستأذن قبل ما يسيب كل حاجة قديمة ويمشي. سبتمبر مش مجرد شهر… سبتمبر هو البداية اللي جاية متأخرة شوية، هو الحكايات اللي لسه ما اتقالتش، والمشاعر اللي بتبدأ بهدوء… من غير ما تاخد إذن. ويمكن عشان كده، كانت حكايتي بدأت في سبتمبر… في يوم عادي جدًا، بس غيّر كل حاجة بعد كده. الساعة كانت سبعة ونص الصبح، والمنبه كان عامل سيمفونية مزعجة في الأوضة، صوت "تيت تيت تيت" مبيخلصش، وكأن الأوضة كلها بتتحايل على جود عشان تفتح عينيها. فجأة، حست جود بإيد بتزقها من على كتفها زقة خفيفة بس فيها "إصرار" إنها لازم تفوق. فتحت عينيها البني وهي مش شايفة قدامها، الدنيا كانت لسه "غبش" في نظرها، وبصت بتوهان للي واقفة فوق راسها.. كانت ريم. ريم كانت واقفة ببيجامة النوم وشعرها مجدل ومكشرة تكشيرة حد صاحي غصب عنه، ملامحها كانت بتقول "بقى أنا اللي المفروض أصحى براحتي، أقوم مخصوص عشان أصحيكي يا ست هانم؟" خصوصاً إن النهاردة مش يوم عادي، ده أول يوم دوام في الجامعة لجود. جود أول ما استوعبت الساعة كام، قامت من السرير بشكل هستيري وكأن عقرب قرصها! نفضت الغطا من عليها وبدأت تدور على شبشبها وهي بتبرطم.. البنت كانت سهرانة للفجر مع ريم ومروة، قعدوا يحكوا ويضحكوا  ومحسوش بالوقت، ودلوقتي مطلوب منها تروح الجامعة بتركيز "تحت الصفر" ونوم مكملش تلات ساعات بس! خرجت للصالة وهي بتخبط في كراسي السفرة، لقت مامتها فوزية واقفة وبتبص لها بنظرة لوم ممزوجة بقلة حيلة  "أنا مش هعلق ولا هتكلم.. بس بذمتك فيه حد عاقل عنده جامعة الصبح ويفضل يرغي للفجر؟ اشربي بقى من عمايلك." جود مكنتش قادرة ترد، دخلت الحمام تجري وهي بتمسك فرشة السنان وبتحط المعجون بسرعة، وصوتها طالع "مغمغم" وهي بتسأل بلهفة  "يا ماما.. هو أحمد صحي؟ ولا هو كمان لسه نايم زي مراته؟ والنبي قوليله يصحى يوصلني بالعربية، أنا لو نزلت دلوقتي وركبت أتوبيسات هتاخر والزحمة هتخلص عليا.. إنتي عارفة الميكروباصات الصبح والناس اللي بتبقى راكبة فوق بعضها، ده الواحد بيوصل الجامعة وهو روحه في مناخيره..." فوزية كتمت ضحكتها على بنتها "الرغاية" زي ما دايمًا بتقول عليها، وقطعت وصلة شكواها وقالت لها  "يا بنتي اسكتي بقى وانشفي كده وعدلي هدومك، أنا هروح أصحي أخوكي يوصلك عشان عارفة إنك مش حمل بهدلة النهاردة.. بس دي آخر مرة، مفهوم؟" اما  جود فبدات رحلة "التجهيز السوبر سريع"؛ لبست أول طقم طلع في إيدها، لمت شعرها " كعكة" أي كلام، ورمت الكتب في الشنطة وهي بتدور على الموبايل والشاحن في والنظارات كل حتة..  شيرت أسود  بسيط وماسك على الجسم بفتحة رقبة مربعة وكمام قصيرة، ومُنسقاه مع بنطلون جينز أزرق فاتح وواسع   بجيوب جانبية كبيرة على الفخذين مدي له شكل روش، ولابسة في رجليها كوتشي ابيض . "ريم" أختها كانت قاعدة نص قعدة ومتسندة على مخدات سريرها، ماسكة موبايلها وبتبص فيه بملل، وفجأة رفعت عينيها وبصت لجود وسألتها بتعجب "هو إنتي نازلة كده؟" جود بصت لنفسها في المراية واستغربت سؤالها، وقالت وهي بتبص لنفسها من فوق لتحت بذكاء "مالي يعني؟ فيها إيه؟ مش لابسة كويس؟" ريم حطت الموبايل جنبها على السرير واتنهدت بضيق مصطنع وقالت "مش قصدي الهدوم يا جود.. الهدوم زي الفل، بس قصدي الميك آب! يعني مفيش نقطة كحل؟ مفيش لون؟ هتروحي الجامعة كده بوشك ده؟" جود برقت عينيها وقالت برفض تام وهي بتمثل إنها جايلها قشعريرة "يا بنتي قولتلك ميت مرة أنا ماليش في الألوان والكلام ده، وبعدين أنا رايحة جامعة عشان أدرس، مش رايحة فرح! الوش كده طبيعي ومرتاح." ريم قامت من مكانها وقربت منها وقالت بإقناع وهي بتضحك "يا قلبي أنا مش بقولك تعملي لوحة موناليزا ولا تحطي فول ميك آب! أنا بس بقول حاجة تضوي الوش كده وتخليه منور.. مثلاً شوية غلوس خفيف على الشفايف، وضربة بلاشر وردي على الخدود.. دي حاجات بسيطة جداً بتنور الوش وتخلي شكلك متظبط مش أكتر." جود هزت راسها بالرفض القاطع وبدأت ترجع لورا وبتحاول تهرب من قدامها وهي بتقول "لا يا ريم، والنبي سيبيني براحتي.. أنا بحب وشي كده، ومش عايزة أتعود على الحاجات دي، سيبيني أمشي بقى." بس ريم أول ما شافتها بتهرب، قامت جريت وراها ومسكتها من ذراعها وهي بتضحك وبتقول "على جثتي! مش هخليكي تنزلي كده أول يوم.. تعالي بس، والله حاجات خفيفة جداً ومش هتضر في أي حاجة.. هتغيري رايك لما تشوفي نفسك." وبصعوبة كبيرة جداً، وبعد شد وجذب، قدرت ريم إنها تقعد جود غصب عنها، وبدأت تحطلها شوية بلاشر خفيف جداً ومرطب شفايف لونه وردي هادي. وجود كانت قاعدة متضايقة جداً وبتحاول تهرب من تحت إيديها وبتقول بصوت واطي  "خلاص بقى يا ريم، كفاية.." وبصعوبة قدرت تهرب من تحت إيديها وتجري على الباب أول ما سمعت صوت أخوهم "أحمد" بينادي عليها من برا "يا جود! خلصي بقى هنتأخر، أنا مستنيكي في العربية!"  ________ جود كانت قاعدة في الكرسي اللي جنب أحمد، ومستسلمة تماماً لريحة الكرواسون السخن اللي هو نزل جابهولها مخصوص و رجع يكمل سواقته.  أحمد كان عارف أخته كويس، لو ممسكش اللقمة وحطها في بقها جود ممكن تنسى تاكل طول اليوم من كتر السرحان والانشغال ... بدأت تقطع من الكرواسون وتاكل وهي بتبرطم وتطلع كل اللي جواها من ناحية ريم ومروة، وصوتها طالع بخنقة كوميدية "شوفت يا أحمد؟ شوفت الهنا اللي هما فيه؟ نايمين دلوقتي ومتمكنين من السرير، وأنا اللي اترميت في عز الصبح عشان الجامعة.. "  وكملت بحزم مبالغ فيه " أنا مش متقبلة الوضع ده أبداً!" أحمد انفجر في الضحك وهو باصص قدامه على الطريق، وعارف إن كلامها ده مجرد فش غل من قلة النوم مش أكتر. جود سكتت شوية وأخدت قضمة كبيرة من الكرواسون، وكأنها بتطلع غلها في الأكل، وبعدين بصت من الشباك بتراقب البيوت اللي بتجري وراهم. أحمد هدي شوية في السواقة وبص لها بطرف عينه وسألها بحماس  "سيبك من ريم ومروة دلوقتي.. قوليلي، مش متحمسة لأول يوم؟ سنة تانية بقى وكبرنا." جود هزت كتافها بلا مبالاة مصطنعة، وردت " عادي .. يعني هشوف إيه جديد؟ ما أنا عارفة الجامعة، وعارفة المدرجات، وحافظة وشوش الدكاترة.. هي هي يعني، مش أول مرة أدخل من الباب ده." أحمد ابتسم ابتسامة هادية، وعدل وضعية إيده على الدركسيون . في اللحظة دي، جود سكتت خالص.. ملامحها اتغيرت وبان عليها جدية غريبة. بصت لأخوها بنظرة فيها تحدي وثقة خلته يرفع حواجبه بدهشة وهو مستني الرد. جود بثبات "بس المرة دي يا أحمد.. أنا مش رايحة بس عشان أحضر محاضرات وأرجع.. أنا هطلع الأولى على الدفعة السنة دي." أحمد فضل باصص لها لثواني، والدهشة كانت واضحة على وشه، بس سرعان ما اتحولت لابتسامة خفيفة وراضية جداً. رجع بص للطريق وكمل سواقة وهو حاسس بفخر مكتوم جوا قلبه، وعرف إن "جود الصغيرة" بدأت فعلاً ترسم طريقها بنفسها. ______ أول ما العربية وقفت قدام باب الجامعة، جود شافت "سجى" واقفه مستنياها على نار. ودعت أخوها أحمد بحب، ولمت شنتطها وكتبها بسرعة، ونزلت وهي لسه بتخطف آخر قطمة من الكرواسون اللي أحمد جابهولها. سجى أول ما شافتها، جريت عليها وأخدتها بالحضن.. سجى دي مش مجرد صاحبة جامعة، دي رفيقة الكفاح من أيام الثانوي، والاثنين دخلوا "هندسة" مع بعض عشان يكملوا المشوار سوا. سجى بلهفة "يا بنتي خضتيني عليكي! قولت أول يوم وهتضيعي علينا المحاضرة، خصوصاً لما كلمتك الصبح وقولتيلي لسه ببدأ ألبس.. إيه اللي أخرك كده؟" جود وهي لسه بتمضغ بالعافية  "والله يا سجى ريم هي السبب.. فضلت ماسكة فيا ومصممة تظبطني وكأننا رايحين حفلة مش مدرج!" سجى وهي بتبص في وش جود بتركيز، ضحكت وقالت  "لا بس تصدقي ريم عندها حق؟ الميكب الخفيف ده منور وشك جداً.. بس استني كده، هو الـ 'غلوس' ماله عامل شغل على سنانك؟" جود اتجمدت مكانها.. "سناني؟ يا نهار مش فاااايت!"  طلعت الموبايل بسرعة عشان تشوف الكارثة، بس الشمس كانت قوية جداً ومنعكسة على الشاشة، فمبقتش شايفه أي حاجة. بصت حواليها بلقف، لقت عربية BMW سوداء فخمة جداً  زجاجها مظلل وعامل زي المراية بالظبط. راحت جارية على زجاج العربية، وقربت وشها منه جداً، وبدأت تفتح بوقها وحطت صباعها على سنانها الأمامية وهي بتحاول تمسح أثر الروج وتهمس لسجى "ها يا سجى؟ راح؟ لسه باين؟" وفجأة.. ومن غير أي إنذار، الزجاج انزاح ونزل ببطء.. وظهر من وراه شاب ملامحه حادة جداً، حاطط نظارات شمس سوداء مغطية عينيه، وماسك الموبايل على ودنه واضح إنه كان في نص مكالمة . بص لها نظرة "باردة" ومستغربة، نظرة كانت بتقول بوضوح: "إنتي بتعملي إيه بالظبط قدام عربيتي؟" جود في اللحظة دي اتمنت الأرض تنشق وتبلعها.. صباعها كان لسه في بوقها وعلى سنانها في قمة الإحراج! وشها قلب أحمر زي الطماطم، وسحبت إيدها بسرعة البرق وهي بتقول بصوت مرعوش  "أنا.. أنا آسفة جداً.. والله مكنتش أعرف.. بعتذر بجد!" وبسرعة سحبت سجى من إيدها وجريت، وسجى كانت ميتة من الضحك ومش قادرة تمسك نفسها من المنظر.  الشاب وراهم محركش ساكن، كمل مكالمته بكل برود وكأن مفيش كائن فضائي كان بيعدل سنانه في مرايته من ثانية. أول ما بعدوا، جود وقفت تاخد نفسها وهي لسه فاكرة شكل نظراته وحاجبه اللي رفعه باستنكار، وقالت بضيق "هو ماله ده؟ بيبص لي كده ليه من فوق لتحت؟ فاكر يعني إن مفيش غيره عنده عربية في الجامعة؟ بني آدم مغرور بجد!" سجى وهي بتفطس من الضحك "يا بنتي عربية إيه! إنتي شوفتي الوحش اللي كان راكبه؟ الـ BMW دي تنطق لوحدها، والراجل هيبته تخوف!" جود وهي بتسحبها بضيق  "بلا هيبة بلا كلام فاضي.. فكك منه، يلا نمشي بسرعة عشان نلحق مكان قدام قبل ما القاعة تتملى على آخرها، مش ناقصة هي أول يوم يضيع في الوقفة ورا!" _______ "إنتي بتعملي إيه يا بنتي؟!" سجى سألت السؤال ده وهي بتبص لـ جود باستغراب وذهول ، وهما على بعد خطوات من باب المدرج. جود كانت واقفة بتمسح الـ "غلوس" من على شفايفها بعصبية واضحة، وكأنها بتنتقم من ريم اللي حطتهولها الصبح، كانت بتمسحه بظهر ايدها وهي مش طايقة نفسها ولا طايقة أي حاجة ليها علاقة بالميكب، ووشها كان باين عليه الضيق. أول ما قربوا من باب القاعة، اتصدموا بالدوشة والفوضى اللي جوه. المدرج كان محشور حرفياً، مفيش مكان لقدم، والهمس والضحك ماليين المكان. سجى وقفت وبصت للزحمة وبدأت تغني بهزار مصدوم  "اللي خفنا منه حصل!" وبعدين كملت وهي مبرقة عينيها  "هو إحنا كل العدد ده معانا في الدفعة يا جود؟ إيه الزحمة اللي تقطع النفس دي!" وهما واقفين بيحاولوا يستوعبوا المنظر، سمعوا واحدة من البنات اللي واقفين جنبهم بتقول بحماس لصحبتها "يا بنتي دول نصهم مش في الدفعة أصلاً، دول جايين يتفرجوا ويشوفوه!" جود عقدت حواجبها وسألت باستغراب "يشوفوا مين؟ هو فيه إيه بالظبط؟" البنت ردت بسرعة وهي بتعدل طرحتها "الدكتور الجديد طبعاً! اللي هيستلم المادة بدل الدكتور عاصي.. بيقولوا إنه هو اللي هيدرسلنا 'تصميم معماري' السنة دي." جود اتسمرت مكانها من الصدمة، لكن سجى عينيها لمعت بفضول وفرحة، خصوصاً لما البنت كملت كلامها وقالت "بيقولوا إنه لسه صغير في السن، وشيك جداً، ونازل من برا!" جود لوت بوزها وقالت بصدمة  "يا ربي.. وليه يغيروا الدكتور عاصي؟ ما كان دكتور ممتاز وشرحه مفهوم وطريقته مريحة.. ليه اللخبطة دي بس!" سجى ردت بتهكم وهي حاطة ايدها على خصرها  "يا بنتي دكتور عاصي إيه بس؟ ده كان فاضله تكه ويمشي بعكاز! خلينا في جيل الشباب والتجديد، يمكن المادة تفتح نفسنا شوية." جود مكنتش مقتنعة نهائي، فضلت تبرطم وهي ماشية تدور على مكان  "جيل شباب إيه بس؟ ده أكيد لسه معندوش خبرة، وهيقعد يتنطط علينا.. أنا كنت خلاص اتعودت على أسئلة الدكتور عاصي وطريقة شرحه، دلوقتي لازم أبدأ من الأول وأتأقلم مع نظام جديد.. يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم على الصبح!" سجى اللي كانت ماشية وراها علقت  " ماتزوديهاش يا جود ...دي حاجة تفرح!"  اتنهدت جود تنهيدة طويلة وهي شايلة هم السنة من أولها، وانتهى بيهم الحال وهما بيدوروا على أي كرسي فاضي، لحد ما لقوا مكان في الصف اللي قبل الأخير بالعافية، قعدوا وهما بينهجوا، و سجى  عينيها على الباب مستنية تشوف "الدكتور المعجزة" اللي مجمع كل البنات دي في المدرج ______