وادي الصمت والوشم المفقود
كان الضباب يزداد كثافة كلما توغل نائل وتالين خلف العجوز الغامض نحو قلب الجبال السوداء. لم تكن الغابة هنا تشبه ما رأوه عند خروجهم أول مرة؛ فقد بدت الأشجار كأنها هياكل عظمية عملاقة، وأغصانها متشابكة بطريقة تمنع وصول أي شعاع شمس إلى الأرض. الرائحة كانت غريبة، خليطاً من التراب المبلل ورائحة معدنية تشبه الصدأ.
لاحظت تالين، بذكائها المعتاد، أن العجوز لا يسير في خط مستقيم. كان يلتف حول صخور معينة، ويتوقف أحياناً ليشم الهواء، أو يضع أذنه على الأرض.
سألته تالين بصوت خفيض، ويدها على مقبض سكينها:
"لماذا ندور في حلقات؟ لقد مررنا بهذا الجذع المحروق منذ نصف ساعة."
توقف العجوز فجأة دون أن يلتفت إليهما، وقال بصوت يشبه حفيف الأوراق الجافة:(صوت ناعم)؛
"الأرض هنا حية يا فتاة. وادي الصمت لا يستقبل الغرباء بسهولة. هناك فخاخ مخفية، وضغط جوي يمكن أن يدمر الرئة إذا سلكتِ الطريق الخطأ. أنا أحميكم من (أفواه الأرض) التي تبتلع كل من لا يعرف لغة الجبل."
المواجهة والوشم
لم يتحمل نائل الغموض أكثر، اندفع نحو العجوز وأمسك بكتفه بقوة. انزاح ثوب العجوز الممزق ليكشف عن كتفه الأيمن، فتجمد نائل من الصدمة. على كتف العجوز كان هناك وشم دقيق يمثل "عينًا داخل مثلث محاط بأجنحة".
همس نائل بصوت يرتجف:
"هذا الوشم… لقد رأيته في صورة قديمة لوالدي… صورة كان يخبئها في صندوقه الحديدي. من أنت حقاً؟"
تنهد العجوز، وبدت عليه ملامح التعب وكأن سنوات عمره الثقيلة انهالت عليه دفعة واحدة. جلس على صخرة قريبة ونظر إلى نائل بعينين مليئتين بالحزن:
"اسمي يونس… وقبل عشرين عاماً كنت جنديًا في فرقة استطلاع سرية تُدعى (فرقة الأجنحة المكسورة). والدك، نزار، كان قائدي وأعز أصدقائي. نحن من اكتشف الحقيقة أولًا… الحقيقة التي سُجن والدك بسببها، ونُفيتُ أنا بسببه إلى هذه القفار."
كذبة الأسوار العظيمة
اقتربت تالين، ووجهها شاحب:
"أي حقيقة تتحدث عنها؟ الأسوار بُنيت لحمايتنا من العمالقة، هذا ما تعلمناه في المدارس، وهذا ما مات من أجله آلاف الجنود."
ضحك يونس ضحكة مريرة:
"حمايتكم؟ الأسوار لم تُبنى لحبس العمالقة في الخارج، بل لحبس البشر في الداخل! إنها مجرد (حظيرة) ضخمة. العمالقة لا يهاجمون بشكل عشوائي، بل هناك اتفاق سري بين قادة الأسوار وملوك العمالقة. يُضحى ببعض القرى والناس بانتظام مقابل حياة القادة في رفاهية وأمان."
شعر نائل وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. كل ما آمن به، كل تضحيات جيرانه، كل صرخات والدته… كانت مجرد "قرابين" في صفقة قذرة.
سأل نائل بعصبية:
"إذن والدتي… هل تم بيعها؟"
أجاب يونس ببرود:
"والدتك حالة خاصة، يا نائل. لم تُختطف صدفة. والدك اكتشف أن في دمك سرًّا، سلالة قديمة يبحث عنها العمالقة لتكتمل بها تحولهم النهائي. أخذوا والدتك ليجبروك على المجيء… أنت هو المفتاح الذي يفتح بوابة الأزل( الزمن الدي لا بداية له)."
حافة الهاوية
وصلوا أخيرًا إلى حافة منحدر شاهق. انقشع الضباب فجأة ليكشف عن منظر يحبس الأنفاس. أسفلهم، امتد وادي الصمت آلاف الأمتار، مدينة ضخمة غارقة في الضباب، مبانيها منحوتة في صخر الجبل، وفي وسطها يرتفع برج أسود عظيم كرمح يغرس في قلب الأرض.
كانت أصوات غريبة تصدر من الأسفل، عميقة، تشبه اناشيد دينية بلغة غير مفهومة، تجعل الجسد يقشعر.
أشار يونس بيده المرتجفة:
"هناك… في ذلك البرج تُحتجز والدتك. لكن احذر، فبمجرد أن تطأ قدماك أرض الوادي، لن تعود بشراً عادياً. ستستيقظ القوة في دمك، وإما أن تنقذ العالم… أو تحرقه."
نظر نائل إلى تالين، ووجدها تحدق في الوادي بنظرة غريبة، لم يستطع تفسيرها. هل كان خوفاً؟ أم إعجاباً؟
سألها نائل:
"هل أنتِ معي يا تالين؟"
استلّت تالين خنجرها ونظرت نحو البرج الأسود:
"لقد جئنا بعيداً جدًا لنعود الآن يا نائل. لننزل إلى الجحيم ونرى ما يخبئه لنا."