خلف الأسوار: رواية عن الخوف ـ الحقيقة ـ الحرية!! - صرخة الحرية الأولى - بقلم armin | روايتك

اسم الرواية: خلف الأسوار: رواية عن الخوف ـ الحقيقة ـ الحرية!!
المؤلف / الكاتب: armin
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صرخة الحرية الأولى

صرخة الحرية الأولى

كان النفق ضيقًا ورطبًا، تفوح منه رائحة العفن والنسيان. زحف نائل وتالين لساعات، وكأن السور يرفض إطلاق سراحهما بسهولة. وفجأة، لمحت عينا نائل بريقًا لم يره من قبل؛ لم يكن ضوء شمعة، بل كان نورًا أبيض ساطعًا يشق ظلام النفق. دفع نائل الغطاء الحديدي الثقيل لآخر مخرجٍ للصرف الصحي بكل ما أوتي من قوة. خرج رأسه أولًا، فاستقبله هواءٌ باردٌ نقيٌّ، حتى كاد يؤلم رئتيه اللتين اعتادتا غبار القرية الخانق. همس بصوتٍ يرتجف من الذهول: "تالين… اخرجي… انظري!" خرجت تالين، ومسحت الغبار عن وجهها، ثم وقفت صامتة. أمامهما امتدت غابةٌ شاسعة لم يريا مثلها حتى في أحلامهما؛ أشجارٌ عملاقة، جذوعها كأبراج المراقبة، وأوراقها بلونٍ زمردي يلمع تحت أشعة الشمس. لم تكن هناك أسوار تحجب الأفق، بل كانت الأرض تمتد حتى تلامس السماء الصافية. سقط نائل على ركبتيه فوق العشب الرطب، ولمس الأرض بيده كأنه يتحقق من حقيقتها: "كل هذا الجمال… وكانوا يخبروننا أن الخارج مجرد جحيمٍ يفتك بمن حاول او تجرأ ان يخرج اليه.؟" ردت تالين، وهي تتفحص المكان بحذر، وعيناها الرماديتان لا تغفلان عن شيء: "الجمال قد يكون فخًا يا نائل. انظر إلى تلك الجذوع المكسورة… هناك شيءٌ ضخم مرّ من هنا مؤخرًا." صدى الوحوش: وبينما كانا يسيران وسط الغابة، بدأت الأصوات تتغير. لم تكن زقزقة طيور، بل صرخات بعيدة تشبه عواء الرياح، تتخللها ضرباتٌ منتظمة على الأرض… ضربات يعرفها نائل جيدًا. "اختبئ!" همست تالين، وهي تسحبه خلف جذع شجرة عملاقة. ومن بين الأشجار الكثيفة، ظهر رأس عملاقٍ يتجاوز طوله عشرة أمتار. لم يكن يهاجم، بل كان يتحرك ببطءٍ غريب، كأنه يبحث عن شيءٍ ما. كان جسده مليئًا بالندوب، وعيناه خاليتين من أي روح. حبس نائل أنفاسه، ويده تقبض على خنجره دون وعي. كادت صرخة غضب تنفجر من صدره، وهو يتذكر كيف دمر هؤلاء حياته، لكن يد تالين الباردة كانت على فمه، تذكره بوعده: "ليس الآن… نحن هنا للبحث، لا للانتحار." الغريب في الغابة بعد ساعات من السير الحذر، وصلا إلى منطقة بدت وكأنها مقبرة لمدنٍ قديمة. مبانٍ مهدومة تغطيها النباتات، وسيارات صدئة أكلها الزمن. وسط هذا الخراب، لاحظا دخانًا خفيفًا يتصاعد من بين الأنقاض. قال نائل بدهشة: "بشر؟ هل يعقل أن أحدًا يعيش هنا؟" اقتربا بحذر، ليجدا رجلًا عجوزًا يجلس أمام نارٍ صغيرة. كان يرتدي ملابس مهترئة من جلود الحيوانات، وعلى وجهه وشمٌ غريب على شكل عينٍ مفتوحة. لم يلتفت إليهما، بل قال بصوتٍ أجش، وكأنه يخاطب الفراغ: "هاربان من السور؟ أم باحثان عن الموت؟ في كلتا الحالتين… لقد تأخرتم كثيرًا. العمالقة لم يعودوا يكتفون بالبشر… بل بدأوا يلتهمون ذكرياتهم أيضًا." تقدم نائل بثبات، وسأله: "من أنت؟ وكيف تعيش هنا؟" رفع العجوز رأسه، وابتسم ابتسامة باهتة: "أنا مَن نسيته الأسوار… وأنا مَن يعرف إلى أين ذهب العملاق الذي يحمل والدتك يا نائل." تجمد نائل في مكانه. كيف عرف اسمه؟ وكيف عرف أمر والدته؟ نهاية الفصل: لغز العجوز نظر العجوز إلى تالين، وقال: "وأنتِ أيتها الفتاة… ذكاؤكِ لن ينقذكِ هنا. فالعالم الخارجي لا تحكمه القوانين، بل يحكمه الدم." ثم أخرج من جيبه قلادةً ذهبية صغيرة، ورماها أمام نائل. كانت قلادة والدته التي لم تفارقها يومًا. ارتجفت يد نائل وهو يلتقطها. قال العجوز بصوتٍ منخفض: "إن أردتما الحقيقة… فاتبعاني إلى وادي الصمت. هناك… حيث ينام العمالقة الأوائل." ساد الصمت، لكن هذه المرة لم يكن صمت خوف… بل صمت بداية طريقٍ لا عودة منه.