عهد الدماء والرماد
مرت ثلاثة أيام على الهجوم، لكن رائحة الموت والبارود ظلت عالقة في هواء القرية المحطمة. لم تكن الشمس التي تشرق فوق الأسوار هي نفسها التي اعتاد نائل رؤيتها؛ فقد بدت شاحبة، كأنها تخجل من النظر إلى ما سُحق تحت أقدام العمالقة.
كان نائل يجلس فوق حجرٍ ضخم، هو كل ما تبقى من زاوية غرفته القديمة. كانت يداه ملطختين بتراب الأنقاض، وأظافره مكسورة من كثرة الحفر بحثًا عن أي أثرٍ لوالدته، لكنه لم يجد سوى قطعة من ثوبها الأزرق… ممزقة ومحترقة.
اقتربت تالين بخطواتها الهادئة التي لا تكاد تُسمع، ووقفت خلفه. لم تقل "أنا آسفة"، لأن الكلمات في حضرة الفجيعة تفقد قيمتها. وضعت يدها على كتفه، وقالت بصوت حازم:
"نائل، الحزن هو السور الثاني الذي يبنونه حولنا. إذا بقيت هنا تبكي كالأطفال ، فكأنك قتلتَ والدتك مرتين."
التفت نائل إليها، وكانت عيناه الغارقتان ترويان قصة جرحٍ كبير:
"لقد أخذوها يا تالين… أخذوا المرأة التي كانت تظن أن هذا السور هو أماننا المطلق. كيف يمكننا العيش في كذبة كهذه؟"
المؤامرة الصامتة
في تلك الليلة، اجتمع نائل وتالين في قبوٍ قديم لم ينتبه إليه الجنود. كان ضوء شمعةٍ وحيدة يرتعش على وجهيهما، وكأنه يخشى أن يكشف سرهما.
قالت تالين، وهي تفرد خريطةً قديمة مهترئة الأطراف:
"استمع إليّ جيدًا… الجيش لن يتحرك. القائد سيران تلقى أوامر عليا بإغلاق الثغرة والبقاء خلف السور. لا يريدون استعادة المخطوفين، بل يريدون فقط حماية مواقعهم داخل الأسوار."
ضرب نائل الطاولة بقبضته:
"إذن سأذهب وحدي! سأتبع أثر ذلك العملاق، حتى لو قادني ذلك إلى الجحيم."
ردت تالين ببرودٍ أطفأ اندفاعه:
"وحدك لن تتجاوز أول حارس عند البوابة. الاندفاع تهور، ونحن بحاجة إلى خطة. لقد راقبتُ نوبات الحراسة؛ هناك فجوة زمنية عند الفجر، حين تتبدل الورديات. السور ليس منيعًا كما يظنون. يوجد ممرٌ قديم للصرف الصحي أُغلق منذ سنوات، وهو يمر مباشرة تحت السور."
التدريب المُر
بدأ نائل وتالين رحلة تدريبٍ سرية وقاسية. كان نائل يتدرب على استخدام السكاكين التي سرقها من مطبخ الثكنة المدمرة، يغرسها في جذوع الأشجار وكأنه يغرسها في قلب ذلك العملاق. وكانت تالين تراقبه، تصحح وقفته، وتعلمه كيف يسيطر على أنفاسه وسط الخطر.
"القوة ليست في العضلات فقط يا نائل،" كانت تقول وهي تريه كيف يتسلق الجدران الملساء، "القوة في أن تعرف متى تضرب، وأين تضرب. العمالقة كبار، لكن لكل جبلٍ نقطة ضعف."
في الليلة التي سبقت رحيلهما، وقف نائل أمام السور العظيم، ونظر إلى أعلاه. لم يعد يراه حاميًا، بل عدوًا يجب تحطيمه. أخرج قطعة الثوب الأزرق، وربطها حول معصمه بإحكام، وقال في نفسه:
"يا أمي… أعدكِ أنني لن أعود إلا وأنتِ معي، أو أكون قد صرتُ جزءًا من تراب تلك الأرض التي سُلبتِ إليها."
نهاية الفصل: الرحيل نحو المجهول
عند الفجر، وبينما كان الضباب يغطي معالم القرية المنكوبة، تحرك ظلان بحذر نحو فتحة الصرف الصحي القديمة. كان البرد قارسًا، لكن نار الانتقام في صدر نائل كانت كفيلة بتبديده.
التفتت تالين إليه قبل أن يغوصا في الظلام:
"نائل… بمجرد أن نتجاوز هذا السور، لن نعود مراهقين يحلمون تحت الأشجار. سنصبح طرائد في عالمٍ لا يعرف الرحمة. هل أنت مستعد؟"
أجاب نائل وهو يضع يده على مقبض سكينه:
"لقد متُّ يوم سقط منزلي… وما تراه الآن ليس إلا شبحًا يبحث عن عدالةٍ غائبة."
ثم بدآ الزحف داخل النفق المظلم، تاركين خلفهما حياتهما القديمة، ومتجهين نحو حقيقةٍ قد تكون أشد رعبًا من الموت نفسه.