خلف الأسوار: رواية عن الخوف ـ الحقيقة ـ الحرية!! - الرماد والذاكرة - بقلم armin | روايتك

اسم الرواية: خلف الأسوار: رواية عن الخوف ـ الحقيقة ـ الحرية!!
المؤلف / الكاتب: armin
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الرماد والذاكرة

الرماد والذاكرة

الفصل الأول: الرماد والذاكرة لم يكن نائل يومًا من أولئك الذين يؤمنون بأن هذه الأسوار العظيمة، التي تعلو حتى تكاد تلامس السماء، قد شُيّدت لحماية البشر. بل كان يسكنه شعورٌ فطري عميق ومقلق بأنها لم تُبنَ إلا لإخفاء شيءٍ ما... شيءٍ مرعب لا يريدون لنا أن نراه. كان يقضي معظم وقته مستلقيًا تحت ظلال شجرةٍ باسقة، تمتد أغصانها نحو الأفق، غارقًا في نومٍ لا يجرؤ على تسميته راحة، بل كان مجرد هروبٍ مؤقت. غير أن نومه لم يكن يخلو من الكوابيس؛ إذ كان يستيقظ مذعورًا في كثير من الأحيان، لتلتقي عيناه بعيني "تالين" التي كانت تراقبه بصمتٍ مريب، تتفحص ملامحه القلقة بجمودٍ يبعث على الاضطراب. كانت تالين فتاةً غامضة، قليلة الكلام، لكن نظراتها كانت تحمل من المعاني ما يفوق آلاف الكلمات. وفي تلك اللحظات، وقبل أن يستعيد وعيه بالكامل، كان نائل يلمح شيئًا غريبًا يتسلل إلى عينيه. لم يستطع تفسيره، لكنه كان يشعر ببرودةٍ تسري في جسده، إحساس لا يشبه الخوف، بل يشبه معرفةً قديمة لم يحن أوانها بعد. وعلى الرغم من أنه لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، فإن ملامحه كانت توحي بخبرة رجل عاقل . خلف نائل وتالين، انتصب سورٌ هائل عُرف باسم "سور الصمت". كان صمته أثقل من الجبال، صمتًا مثقلًا بصرخات الخوف والذعر التي كتمتها الأجيال المتعاقبة. كان السور مرآةً تعكس بؤس البشرية وعجزها أمام قوى لا تفهمها. في ذلك اليوم المشؤوم، اقترب القائد "سيران" بخطواتٍ ثابتة، وصوته الحازم يشق الصمت: "لا أحد يهاجم دون أمري، مفهوم؟" تبادل الجنود نظراتٍ متوترة؛ فهذا العالم لا يرحم من يجرؤ على الحلم، وكان نائل يبدو مصممًا على أن يكون أول الحالمين. همست تالين، التي كانت تقف كظله، بصوتٍ خافت: "نائل، هل لاحظت شيئًا؟ إنه ينظر إلينا... إلى القرية." كانت تالين تبدو أصغر سنًا من نائل، لكنها كانت تتفوق عليه نضجًا وحكمة. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيدًا لهدوءٍ عميقٍ مفكر. ملامحها تشبه نور الفجر حين يتسلل وسط الظلام، وعيناها الواسعتان بلون الرماد تحملان أسئلةً لا تنتهي، وكأنها اعتادت النظر إلى ما وراء الأشياء، لا إلى الأشياء ذاتها. وكان شعرها الداكن ينسدل بفوضى أنيقة، ورغم بساطة مظهرها، كان فيها ما يوحي بانشغالها الدائم بالبحث عن الحقيقة المطلقة. وفجأة، اهتزت الأرض بعنف. لم يكن مجرد اهتزاز، بل زلزالًا مدمرًا ضرب أركان الوجود. تساقطت الحجارة من السور كالمطر، وتعالت صرخات الجنود المذعورين. ومن بين الغبار الكثيف، ظهر ما لم يجرؤ أحد على تخيله: عملاقٌ هائل. لم يكن يشبه أي عملاقٍ عرفه البشر؛ بل كان تجسيدًا حيًا للكابوس. اندفع نحو القرية، متجاوزًا المنازل، لكن سوء حظ نائل جعله يتجه مباشرة نحو منزله. توقف الزمن بالنسبة لنائل. رأى قبضة العملاق، التي تشبه جبلًا من حجر، تهوي على منزله فتسويه بالأرض. وبين الأنقاض، لمح مشهدًا قاسيًا لا يُحتمل: قبضة العملاق تنطبق على جسد والدته. في تلك اللحظة، مات نائل القديم. وُلد في داخله حقدٌ أسود، حقد لم يشهد له البشر مثيلًا منذ زمن بعيد. لم يعد يرى والدته، بل صار يرى مصيرها المحتوم بين يدي مخلوقٍ لا يعرف الرحمة. تراجع العملاق، تاركًا خلفه دمارًا وماضيًا لن يعود. ظل نائل يحدق في الأنقاض، وقد تجمدت الدموع في عينيه، وتحولت الصدمة إلى بركانٍ من الغضب الصامت. همست تالين، وهي تضع يدها على كتفه: "نائل، ليس هذا وقت الندم... العمالقة لم يأتوا للتخريب فقط، بل جاؤوا ليأخذوا أغلى ما نملك... حقيقتنا." التفت إليها نائل، وعيناه تشتعلان ببريقٍ غريب: "الحقيقة يا تالين هي هذا الرماد الذي نراه. لقد فقدتُ والدتي، والأسوار التي ظنناها تحمينا لم تكن إلا سجنًا. الآن... لم يعد لدي ما أخسره." وفجأة، دوّى صوت القائد "سيران" وهو ينادي الجنود ليلملموا شتاتهم. أدرك نائل أن هذه الحرب قد بدأت للتو، وأن الطريق لاستعادة والدته سيمر حتمًا عبر أجساد العمالقة... أو عبر جثته هو. لقد قرر نائل أن يحطم السور، لا لإنقاذ والدته فحسب، بل لتحرير البشرية من كذبة "الأمان" خلف أسوار الصمت.