بيت ابي - الفصل 5 - بقلم فراشه الامل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بيت ابي
المؤلف / الكاتب: فراشه الامل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

بعد أسبوع من هروبي إلى بيت صديقتي نورة، بدأت أتعرف على عالمهم أكثر… عالم بسيط، لكنه مليء بالدفء. نعم، كان بيتهم فقيرًا، لكنهم كانوا أغنياء بأخلاقهم، بعزّة نفسهم، وبرحمة قلوبهم التي احتوتني دون تردد. لنورة خمس أخوات: منار، وميار، ولمار، وأسماء، وخديجة… جميعهن أصغر منها، لكن لكل واحدة منهن روحها الخاصة وحكايتها الجميلة. منار، تبلغ من العمر 12 عامًا، لكنها بعقل أكبر من سنها بكثير. كانت تجلس معي وتحدثني بحب، تخبرني عن أحلامها الكبيرة، وكيف تريد أن تكمل دراستها، وتدخل الجامعة، وتصبح طبيبة تعالج الناس وتخفف آلامهم. كنت أرى في عينيها إصرارًا لا يُوصف. أما ميار، فهي في العاشرة من عمرها، مشاغبة وعنيدة، لكنها تملك قلبًا نقيًا ولطيفًا. كانت تحب مادة اللغة الإنجليزية كثيرًا، وتحلم أن تصبح معلمة في المستقبل، وكانت دائمًا تقول لي: "بعلّم طلابي بحب مو بخوف." ولمار، ذات الثماني سنوات، في الصف الثاني الابتدائي… كانت حساسة جدًا، كثيرة الحزن والخوف، ولا تحب الدراسة كثيرًا. كنت أحاول الاقتراب منها، أهدّئها وأشجعها، وأقول لها إن بداخلها قوة لم تكتشفها بعد. أما أسماء، ذات الست سنوات، فقد بدأت أعتني بها كأنها طفلتي الصغيرة، أساعدها في كل شيء، ألبسها، وأمشّط شعرها، وأشعر بسعادة غريبة وأنا أرى ابتسامتها. وخديجة… الصغيرة، ذات العامين، آخر العنقود، مدللة الجميع. كانوا يحبونها حبًا كبيرًا، وكانت ضحكتها تملأ البيت حياة، وكأنها نور صغير يضيء زواياه. هذه هي العائلة التي احتوتني بعد أن كنت أعيش في بيتٍ مليء بالظلام، والوحدة، والعنف. هنا فقط، شعرت أن روحي بدأت تهدأ، وأن قلبي وجد مكانًا يستقر فيه… مكانًا لا يخيفني، بل يطمئنني. مرت الأيام… يومًا بعد يوم، ولم يسأل عني أحد. لم يبحثوا عني، ولم يحاولوا حتى معرفة أين ذهبت. لم يأتِ أحد إلى المدرسة، ولم يطرقوا باب نورة. وكأنني لم أكن يومًا جزءًا من حياتهم… وكأن وجودي كان عبئًا ثقيلاً تخلّصت منه هاجر دون أدنى شعور. شعرت حينها أنني كنت مجرد شوكة في حلقها، أرادت نزعها بأي طريقة. لم تراعِ الأمانة التي وضعها أبي بين يديها… لم تراعِ أنني ابنة أخيها، ولم تحفظ صلة القرابة التي كانت بينهما. كانت قاسية، متكبرة، لا ترى إلا نفسها، وكأن الرحمة لم تعرف طريقها إلى قلبها يومًا. لكن، رغم كل ذلك… كنت أتعلم شيئًا جديدًا كل يوم: أن العائلة ليست دائمًا بالدم… بل بالمواقف، وبالقلوب التي تختارك وتحبك دون مقابل.