عهد ماليديكتوس - الفصل الثاني - بقلم بيلا الفارسي | روايتك

اسم الرواية: عهد ماليديكتوس
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

الفصل الثاني استيقظت "موريثيا" يثقل كاهلها مزيجٌ مرير من التعب والحزن؛ فاليوم ليس يوماً عادياً، بل هو موعد انتقالها لتعيش في كنف جامعتها الجديدة "كاليفورنيا". هناك، حيث ستكون تحت مجهر الإشراف والحراسة المشددة، وحيث يُفترض أن يتم تدريبهم بجدية تتجاوز الحدود. تنهدت "موريثيا" بضيق، وأغلقت عينيها بشدة كأنها تحاول حجب الواقع، ثم فتحتهما ثانية لتواجه قدرها. هبطت من فراشها بخطى وئيدة واتجهت إلى المرحاض لتغتسل وتجهز نفسها لرحلة لا تشتهي الذهاب إليها. ​بعد مدة، هبطت "موريثيا" درجات السلم إلى الأسفل، لتجد أن والدتها قد انتهت بالفعل من تجهيز الطعام. لكن المشهد لم يكن عائلياً بحتاً؛ فقد كان هناك ضيوف. شاب وفتاة في مثل سنها يجلسان مع والدتها، يتبادلان الضحكات والأحاديث والحكايات وكأنهم أهل الدار. تقدمت "موريثيا" نحوهما ببطء، ووقفت أمامهم ترمقهم بنظرات حذرة متفحصة. ​التفتت الأم إليها بابتسامة فخورة وقالت: "هذه هي عزيزتي موريثيا". بادرتها الفتاة بابتسامة هادئة قائلة: "أرى أن والدتك لم تكن تجاملكِ أبداً حين قالت إنكِ تشبهين الملائكة في جمالكِ وسحر عينيكِ". في تلك اللحظة، توردت وجنتا "موريثيا" بخليط من الخجل والغضب؛ فقد أدركت أن والدتها قد استفاضت في حكاياتها لهؤلاء الغرباء. ​تدخل الشاب قائلاً بنبرة واثقة: "إذن موريثيا.. نحن أصدقاؤكِ الجدد من نفس الجامعة، جامعة كاليفورنيا. ومن الآن فصاعداً، كل ما ستحتاجينه سيكون متوفراً لكِ، وسوف تتحملين المسؤولية بكل تأكيد، فلا تحزني يا صغيرة". ​نظرت "موريثيا" إلى والدتها بغضب مكتوم، ثم أحكمت قبضتها على حقيبة ظهرها وجرت حقيبة سفرها خلفها وهي تقول بحدة: "لا أحتاج أحداً، أنا بخير وحدي. فقط ابتعدوا عن طريقي، فأنا لست مثلكم، لذا أرجو الابتعاد عني قدر المستطاع". ​رفع الشاب حاجبه باستنكار، ووقف أمامها مباشرة بصلابة، ضاماً يديه إلى صدره بقوة وكأنه يحاول السيطرة على انفعاله، وقال: "يا فتاة، أنتِ عنيدة حقاً، لكن ذلك الأسلوب لا يليق بفتاة تشبهكِ. لذا، من الأفضل أن تتعاوني معنا، أفهمتي؟". ​وقفت الفتاة بجانبها بعدما لمحت لمعة الانكسار في عيني "موريثيا"، ورأت كيف تمنع دموعها من الهبوط بقوة. قالت الفتاة بحب وهدوء: "إنه فقط يريد تكوين صداقة معكِ، لِمَ أنتِ عنيدة هكذا؟ لا تخافي، سوف تأتيكِ قوتكِ التي ستميزكِ بالتأكيد، لكن لا تحزني.. أتعلمين شيئاً؟ والدي لديه تحف أثرية رائعة، لِمَ لا تأتين معي في الإجازة الأسبوعية لترينها؟". ​حاولت "موريثيا" العبور من الباب بعد أن أفسح لها الشاب المجال، لكن الفتاة استوقفتها بكلمات اخترقت جدار صمتها: "حتى وإن كان والدكِ صديق والدي ووالده، وكان معهم في تلك المغامرات؟ لدينا العديد من الصور له". ​التفتت "موريثيا" فجأة، واللمعة في عينيها تزداد بريقاً، وكأنها تتشبث بأي خيط أو ذكرى لمكان كان أبوها فيه يوماً. قالت باقتضاب: "حسناً"، ثم تركتهم وخرجت. ​تبعها الشاب للخارج ووضع حقيبتها في خلفية السيارة مع باقي حقائبهم، ثم سألها محاولاً كسر الجمود: "إذن يا صغيرة، ما اسمكِ؟". أجابت "موريثيا" بسخرية لاذعة: "أعتقد أن أمي قد أخبرتكم بكل ما تحتاجونه عني، لذا لن تنسى اسمي في وسط كل ذلك الحديث". ​سألتها الفتاة باستغراب: "لِمَ لم تودعي عائلتكِ؟". ردت "موريثيا": "لقد فعلت بالفعل، أخي صعد إلى الأعلى وقد ودعته". قالت الفتاة: "ولكن والدتكِ؟". قالت "موريثيا" بنبرة غامضة: "أعتقد أنه يكفي أنها ما زالت على قيد الحياة". ​صعدت السيارة وهي تشعر بمزيج من الغضب والقهر والحزن؛ ففي مخيلتها، لولا والدتها، ولولا ذلك اليوم المشؤوم وموت أبيها "موريث"، لكان كل شيء مختلفاً. قطعت الفتاة حبل أفكارها وهي تصعد في المقعد الأمامي بجانب الشاب قائلة: "لا عليكِ.. أنا أدعى (إيكليبسيا)، وهذا صديقي (دالكا)". اكتفت "موريثيا" بهز رأسها بتحية صامتة، ثم ركنت برأسها نحو النافذة تراقب الطريق، غارقة في دوامة من الأفكار التي لا تنتهي. هبطت "موريثيا" من السيارة فور وصولهم إلى وجهتهم، لتجد نفسها أمام مشهدٍ فائق الجمال يخطف الأنفاس؛ فالجامعة لم تكن مجرد صرح تعليمي، بل كانت عالماً موازياً يضج بالحياة والقوى الخارقة. رأت السحرة يمارسون طقوسهم ببراعة ساحرة، ومصاصي الدماء يتحركون بخيلاء وأنيابهم بارزة دون خوف أو تردد، بينما كان للمستذئبين حضور طاغٍ يفرض هيبته على المكان. الجميع هنا يتحركون بأريحية تامة، يشعرون بأنهم أحرار من أي قيود قد تفرضها عليهم قوانين البشر. ​ابتسمت "موريثيا" لهذا المنظر الرائع، لكن سرعان ما انطفأت تلك الابتسامة وهي تتذكر بمرارة أنها ليست مثلهم، وأنها قد لا تستطيع يوماً أن تكون بتلك الطريقة الرائعة حقاً. ​وسط هذا الصخب، كان هناك شاب يركض خلف فتاة، ينادي عليها بحدة لتتوقف عما تفعله وهو يحاول الإمساك بها، بينما كانت هي تختفي وتظهر في أماكن متفرقة وهي تضحك بتسلية ومرح. وفي إحدى نوبات اختفائها وظهورها المفاجئ، اصطدمت بـ "موريثيا" بقوة وكادت أن تسقط، لولا أن الفتاة (إيكليبسيا) تداركت الموقف وساعدتها بسرعة. ​أقبل الشاب مسرعاً وعلامات الغضب ترتسم على وجهه، وهو يوجه حديثه للفتاة: "كاليجو! لن تفلتي بفعلتكِ هذه المرة.. إنها المرة العاشرة التي أستيقظ فيها بمنظر مرعب بسبب أفعالكِ يا فتاة! وأيضاً من أين لكِ بكل أربطة الشعر هذه؟". ضحكت "كاليجو" بشقاوة قائلة: "أنت من لا يريد أن يقص شعره، لذا تحمل ما أفعله بك". ​ضحكت "إيكليبسيا" وهي تقدمهم لموريثيا: "أهلاً بكِ يا موريثيا معنا.. إنهما التوأم الشقي في نفس سنتنا الدراسية؛ كاليجو وتوأمها هيكات". ابتسمت "موريثيا" بمجاملة وقالت: "مرحباً". استطردت "إيكليبسيا" موضحة: "هذه هي الطالبة الجديدة موريثيا". نظرت "كاليجو" إليها بتأمل وكأنها تسترجع ذاكرتها وقالت: "أعتقد أنها تشبه أحداً ما.. كما أن هذا الاسم ليس غريباً على مسمعي". ​بعد ذلك، تفرق الجميع ليتجه كلٌ إلى وجهته، واصطحبت الفتيات "موريثيا" إلى السكن الجامعي لتعريفها بغرفتها؛ حيث تقرر أن تقيم "موريثيا" مع "إيكليبسيا" و"كاليجو" في غرفة واحدة، بينما يضم سكن الشباب "دالكا" و"مالكاي" و"هيكات" في غرفة أخرى. ​قالت "كاليجو" وهي تشير لمكانها: "تلك هي غرفتكِ يا فتاة، حاولي ألا تنسيها أبداً، فالغرف هنا تشبه بعضها كثيراً.. وصدقيني، لا تريدين أن يحدث معكِ ما حدث معي!". هنا ضحكت "إيكليبسيا" قائلة: "لن أنسى أبداً ذلك اليوم! كانت كاليجو متعبة من التدريب والدراسة في يومها الأول بالجامعة، وبدلاً من دخول غرفتنا، دخلت غرفة (دالكا وهيكات ومالكاي). كان أخيها وهيكات ودالكا لا يزالون في الخارج، فدخلت هي ونامت بجانب (مالكاي). وعندما دخل شقيقها ورآها نائمة بجواره، قام بلكمه بقوة، ومالكاي المسكين لم يكن يفهم لِمَ يتم ضربه من الأساس! ومنذ ذلك الموقف المضحك أصبح مالكاي صديقاً لدالكا وهيكات". ​ضحكت "موريثيا" من قلبها وهي تجلس على فراشها بعد أن انتهت من ترتيب خزانتها. فجأة، حثتها "إيكليبسيا" قائلة: "هيا تحركي يا فتاة، يجب أن تذهبي الآن إلى مكتب المدير، فنحن سنغادر لأن حصة التدريب ستبدأ حالاً.. هيا هيا هيا!". ​تحركت "موريثيا" معهم بابتسامة لم تفارق وجهها، وهي تشعر لأول مرة في حياتها أنها ربما تكون في مكانها الصحيح.