عهد ماليديكتوس - البداية - بقلم بيلا الفارسي | روايتك

اسم الرواية: عهد ماليديكتوس
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البداية

البداية

البداية : جلست موريثيا أمام التلفاز، تحدق في الشاشة بشرود، بينما كان شقيقها الصغير يجلس بجانبها، ووالدتها على المقعد المقابل. قالت فجأة، بصوتٍ يحمل اعتراضًا واضحًا: — "هل حقًا يجب أن ننتقل من هنا؟" تنهدت والدتها بهدوء، ثم مدت يدها تربت بحنان فوق شعر ابنتها الأحمر، وقالت بصوت دافئ: — "أعلم أنكِ تحبين هذا المكان يا موريثيا… لكن يجب أن تلحقي بجامعة كاليفورنيا." التفتت إليها موريثيا سريعًا، وقد ارتسم الغضب على وجهها. — "وكيف سأذهب إلى هناك وسط الوحوش وأنا لم أتحول بعد؟!" ارتفع صوتها أكثر وهي تضغط على كلماتها بمرارة: — "أنتِ لا تفهمين! مكاني ليس هناك… كان من المفترض أن أتحول منذ الصغر مثل الجميع، لكنني سأبلغ الثامنة عشرة قريبًا وما زلت كما أنا!" ساد الصمت لثوانٍ. ثم نهضت فجأة، وقد اختلط الغضب بالحزن داخل عينيها، واتجهت إلى غرفتها بخطوات سريعة قبل أن تتمكن والدتها من قول أي شيء. أغلقت الباب خلفها، ثم ألقت بنفسها على فراشها، محدقة في سقف الغرفة بصمتٍ ثقيل. رفعت يدها إلى القلادة المعلقة في عنقها، وأمسكتها بين أصابعها، بينما كانت يدها الأخرى تحتضن صورة قديمة لوالدها. همست بصوتٍ مكسور: — "لماذا لست معنا يا أبي…؟ لماذا تركتنا ورحلت هكذا؟" شدّت الصورة إلى صدرها، ثم استلقت على جانبها في وضعيةٍ صغيرة، كأنها تحاول أن تضم نفسها داخل حزنها. وسرعان ما انهمرت دموعها بصمت. في الأسفل، كان أليكس ينظر إلى والدته ببراءة طفولية واضحة، ثم سألها بصوته الصغير: — "لماذا أختي غاضبة يا أمي؟" تنهدت الأم وهي تنظر نحو السقف، كأنها ما زالت تسمع انكسار ابنتها خلف الباب. — "إنها فقط… متعبة وحزينة قليلًا يا أليكس." ظل الصغير صامتًا لثوانٍ، وكأنه يفكر بجدية في أمرٍ شديد الأهمية، قبل أن يقف فجأة بصعوبة فوق قدميه الصغيرتين ويقول بحماس: — "إذًا سأجعلها تأكل من الحلوى الخاصة بي! إنها لذيذة جدًا!" أسرع نحو المطبخ، وأمسك بصحن صغير وضع فيه بعض قطع الكعك التي كان يحتفظ بها لنفسه، ثم بدأ يصعد الدرج ببطء وصعوبة، متمسكًا بالصحن بكلتا يديه. حتى وصل أخيرًا إلى باب غرفة موريثيا، وطرق عليه بخفة. من الداخل، جاءه صوتها مخنوقًا ومتعبًا: — "أرجوك يا أليكس… ابتعد من هنا. أريد أن أبقى وحدي." حاول أليكس أن يفتح الباب بنفسه، لكنه لم يستطع بسبب قصر قامته. ابتسمت والدته بحزن، ثم اقتربت وفتحت له الباب بصمت، لتسمح له بالدخول. دخل الصغير بخطواتٍ مترددة، ثم اقترب من فراش شقيقته ووضع الصحن بحذر بجانبها. بعدها تسلق بصعوبة حتى جلس قربها، ورفع يده الصغيرة ليمسح دموعها بعفوية حنونة. وقال بصوتٍ بريء: — "لا تبكي… أعلم أن أمي طبخت الطعام الذي لا تحبينه، لذلك خبأت لكِ بعض الكعك الخاص بي." توقفت موريثيا للحظة، ثم أفلتت منها ضحكة صغيرة باهتة وسط دموعها. التفتت إليه، واحتضنته بقوة إلى جانبها. عند الباب، كانت والدتها تقف بصمت، تراقب المشهد بعينين ممتلئتين بالحزن. كانت تعرف جيدًا أن ابنتها لا تشتاق فقط إلى والدها… بل إلى الأمان الذي اختفى برحيله. لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله. فهو قد رحل بالفعل. لقد مات. وقد استلموا جثته الهامدة بأيديهم منذ سنوات. ارتجف شيء داخل صدرها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة مكسورة، وهي تستعيد صورة زوجها للمرة الألف. ثم تنفست ببطء، ودخلت الغرفة أخيرًا. جلست بجانب طفليها، وبدأت تمرر يدها بحنان فوق شعر موريثيا، بينما كانت موريثيا تحتضن أليكس بين ذراعيها بحبٍ شديد. وبصوتٍ منخفض دافئ، بدأت الأم تغني لهما كما كانت تفعل قديمًا… حتى غلبهما النعاس. ظلت تنظر إليهما لثوانٍ طويلة، بعينين تختلط فيهما الرحمة بالحزن والخوف. ثم نهضت ببطء، واتجهت نحو الباب. وقبل أن تغادر، ألقت عليهما نظرة أخيرة… وأغلقت الباب خلفها بهدوء. في مكانٍ آخر… كان هو يقف أعلى التلّ، وسط ظلام الغابة، يراقب تلك المدينة الصغيرة بصمتٍ مهيب. نسيم الليل البارد كان يمر من حوله، محرّكًا خصلات شعره الداكن، بينما بقيت عيناه مثبتتين على المدينة… وكأنهما تبحثان عن شيءٍ ضاع منذ زمن. أو ربما… عن شخصٍ لم يكن يجب أن يظل مخفيًا كل هذا الوقت. رفع بصره نحو القمر المكتمل، وبقي صامتًا للحظات طويلة. ثم أغمض عينيه ببطء… وحين فتحهما من جديد، لمع ذلك التوهج الأحمر المرعب في عينيه وسط العتمة. وقال بصوتٍ هادئ، لكنه حمل ثقل شيءٍ أقدم من الليل نفسه: — "لقد اقترب الموعد كثيرًا…" ثم همس مرة أخرى، وكأنه يخاطب القدر ذاته: — "كثيرًا جدًا." وفي اللحظة التالية… اختفى.