السادس
حين لا تنسى زرقاء اليمامة
كانت القاعة قد خلت…
وغابت الأصوات،
وبقي "قيس" و"ليلى" وحدهما،
بين صمتٍ ثقيل… لا يشبه ما كان بينهما من قبل.
اقترب منها "قيس"،
وعيناه تحملان بقايا دفء لم ينطفئ بعد:
"ليلى… منذ عدنا وأنتِ بعيدة."
رفعت نظرها إليه،
ابتسمت…
لكنها لم تكن نفس الابتسامة.
"قيس…"
قالت اسمه بهدوء غريب.
"هل تثق بي؟"
ابتسم دون تردد:
"أكثر من نفسي."
تعمقت عيناها فيه لحظة…
كأنها تحفظ ملامحه.
"جيد."
ثم استدارت ببطء:
"سأعود بعد قليل."
لم يشك.
لم يسأل.
فقط نظر إليها…
وهي تبتعد.
🌑 بعد قليل…
في جناح الملك…
كان والد "قيس" جالسًا وحده،
بين أوراقه وذكرياته.
انفتح الباب.
رفع رأسه…
"ليلى؟"
ابتسم:
"تفضلي، ابنة—"
قاطعته.
"هل تتذكر الجنوب؟"
تغير وجهه.
تقدمت نحوه…
خطوة… خطوة…
"بيتًا صغيرًا…"
"رجلًا… لم يكن يملك إلا حياته."
"وامرأة… صرخت حتى مات صوتها."
بدأت يداه ترتجفان.
همست:
"وطفلة… كانت ترى."
اتسعت عيناه.
"أنتِ…؟"
⚔️ لمع الخنجر.
ضربة واحدة.
سقط جسده…
وسقطت معه سنوات من الأسرار.
وقفت "ليلى" للحظة…
تنظر إليه.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
لكن عينيها…
لم تكونا هادئتين.
وضعت الورقة بجانبه.
وهمست:
"أنا لم أنسَ."
ثم غادرت.
🌑 في الخارج…
وقفت عند بوابة القصر…
نظرت خلفها.
تذكرت "قيس".
صوته…
لمساته…
ضحكته…
أغمضت عينيها للحظة.
دمعة…
سقطت.
ثم ركبت جوادها.
وغادرت.
🌑 بعد ساعات…
دخل "قيس" جناح والده…
"أبي، أريد أن—"
توقف.
الصمت.
ثم—
رآه.
"أبي…؟"
ركض نحوه،
ركع،
حاول إيقاظه…
"أبي!!"
لكن الحقيقة كانت أبرد من أن تُنكر.
ثم…
رأى الورقة.
فتحها بيدين مرتجفتين.
قرأ…
"زرقاء اليمامة لا تنسى شيئًا…
لذلك… لم أنسَ انتقامي.
عشت معك كل هذه الفترة…
وفي قلبي… طريق واحد.
الانتقام."
تجمد.
سقطت الورقة من يده.
"ليلى…"
خرج الاسم منه…
مكسورًا.
تراجع خطوة…
ثم أخرى…
كأن الأرض نفسها خانته.
في تلك اللحظة…
لم يكن ملكًا.
ولا محاربًا.
كان رجلًا…
أحب.
فخُدع.
🔥
🔥 – نهاية لا تشبه النهايات
مرّت الشهور…
وعادت "مملكة كارميلا" إلى هدوئها الظاهري،
لكن تحت ذلك الهدوء…
كان هناك شيء يتشكل بصمت.
في القصر…
وُلد وريث العرش.
طفل…
لم يعرف شيئًا عن الدم الذي سبق مجيئه.
كان "قيس" يحمله بين يديه،
ينظر إليه طويلًا…
في عينيه حُب…
وخوف…
وشيء لم يفهمه بعد.
"ليلى" كانت تقف بعيدًا…
تراقب.
لم تقترب.
لم تبتسم.
كانت تعرف…
أن كل شيء… يقترب من نهايته.
🌑 في الليل…
دخلت بهدوء إلى جناح الملك القديم…
نفس المكان.
وقفت للحظة…
كأن الزمن عاد بها إلى الوراء.
أغمضت عينيها…
فرأت كل شيء.
الدم…
الصراخ…
الطفلة التي لم تستطع الهرب.
فتحت عينيها…
لم تعد تلك الطفلة.
لكن الألم…
بقي.
همست:
"انتهى…"
🌑 في الفجر…
كانت "ليلى" تقف عند حدود الرمال…
حيث لا شيء… سوى الصمت.
الريح تعصف،
والرمال تتحرك كأنها تبتلع كل أثر.
وقفت وحدها.
تذكرت "قيس"…
ابتسامته…
صوته…
وهو يقول لها: "أكثر من نفسي."
ارتجفت شفتاها.
"سامحني…"
كانت تلك أول مرة…
تنكسر فيها.
لكنها لم تتراجع.
رفعت نظرها إلى الأفق…
ثم خطت خطوة إلى الرمال المتحركة.
ثم أخرى.
ثم—
بدأت تغرق.
لم تصرخ.
لم تقاوم.
فقط أغمضت عينيها…
كأنها أخيرًا…
تستسلم.
🌑 في القصر…
استيقظ "قيس" على فراغ.
"ليلى؟"
بحث عنها…
في كل مكان.
حتى—
وصل إلى الرسالة.
قرأها…
"أنجبت لك وريثك…
وأخذت انتقامي…
والآن… لا شيء يربطني بالحياة.
زرقاء اليمامة لا تنسى…
لكنها أيضًا… لا تغفر."
سقطت الورقة من يده.
خرج مسرعًا نحو الصحراء…
لكن—
لم يجد شيئًا.
إلا…
أثر خطوات…
اختفت.
وقف هناك…
وحيدًا.
يحمل كل شيء…
ويفقد كل شيء.
🌑 النهاية المؤقتة…
في القصر…
بكى الطفل.
وكان هو الوحيد…
الذي لا يعرف…
أنه وُلد…
من حب…
انتهى بالموت.
🔥