💉الفصل الرابع عشر : المشرحة
الفصل الرابع عشر : المشرحة الصفرية (فن العدم)
في ركنٍ منسي من العالم....
تحت رصيفٍ خرسانيّ في مدينةٍ لا اسم لها، يقع القبو النهائي.
هنا....
لا توجد أسماء، ولا تاريخ، ولا مذكرات ذهبية.
الغرفة مطلية باللون "الأسود الممتص للضوء" (Vantablack)...
بحيث لا يظهر من الوجود سوى طاولة التشريح المصنوعة من "الكوارتز الشفاف"...
والتي تطفو فوقها جثة رجلٍ مجهول....
ملامحه محيت تماماً بعملية صنفرة كيميائية دقيقة.
يقف الطبيب المجهول....
مرتدياً قناعاً من "البورسلين المصمت" بلا ثقوب للعينين... معتمداً على حواسه الأخرى التي بلغت حدّ الألوهية.
أدواته ليست مشرطاً أو ليزراً...
بل هي "خيوط جراحية من الألماس المجهري" وسوائل "مذيبة للأنسجة النوعية".
بدأ الطبيب بسكب سائل "الكلوروفورم المشبع بالزئبق" فوق تجويف الصدر.
وبدلاً من الشق التقليدي....
بدأت الجلود والدهون تذوب وتتلاشى كالبخار....
كاشفةً عن القفص الصدري الذي بدا وكأنه منحوت من العاج النقي.
استخدم الطبيب "ملاقط مغناطيسية" لرفع الأضلاع واحداً تلو الآخر دون كسر غضروف واحد...
واضعاً إياها في ترتيب دائري حول الجثة.
كُشف عن الأحشاء....
القلب كان لا يزال ينبض بفعل "محلول عضوي" يضخه الطبيب عبر أنابيب غير مرئية.
قام الطبيب بشق الأمعاء طولياً....
ثم غسلها بـ "ماء الفضة" حتى أصبحت شفافة تماماً....
كأنها أنابيب زجاجية تظهر بداخلها حركة السوائل الحيوية.
قام بلف الأمعاء حول الطاولة...
واصلاً إياها بـ "كلى مجهرية اصطناعية" تلمع كالجواهر السوداء.
انتقل الطبيب إلى الساقين والذراعين.
استخدم "شفرات تذبذبية" تعمل بالموجات فوق الصوتية لفصل العضلات عن العظام دون ترك خدش واحد على سطح العظم.
قام "بفرد" الجهاز العضلي للجثة على جوانب الطاولة...
وربط كل عضلة بـ "ثقالات من الرصاص"...
لتبدو الجثة وكأنها طائر خرافي من اللحم الأحمر يحاول الإقلاع من وسط السواد.
قام الطبيب بسلخ "الأعصاب الحسية" من أصابع اليدين....
ومدّها كأوتار القيثارة حتى وصلت إلى سقف الغرفة....
وربطها بـ "أجراس من الكريستال".
مع كل انقباضة لا إرادية لعضلات الجثة، كانت الأجراس ترنّ بنغمة جنائزية تعلن عن انتهاء رحلة المادة.
في الختام، استخدم الطبيب "مثقاباً من التنجستن" لفتح الجمجمة من الخلف.
أخرج الدماغ كاملاً وهو لا يزال متصلاً بالحبل الشوكي، ووضعه في حوض من "النيون السائل".
بدأ الدماغ يضيء باللون البنفسجي....
مصوراً آخر ذكريات الرجل المجهول قبل تلاشيه.
لم يتبقَّ من الجثة سوى الهيكل العظمي العاري...
المحاط بشبكة من الأعضاء الشفافة...
والعضلات المعلقة،
والأعصاب المغنية.
قام الطبيب بسكب "الراتنج الشفاف" (Resin) فوق هذا التكوين بالكامل...
ليحوله في ثوانٍ إلى كتلة واحدة صلبة من الزجاج البشري.
انسحب الطبيب المجهول إلى الظلام، تاركاً خلفه "اللاشيء"... جسداً مجهولاً...
شُرّح بأدوات مجهولة...
في مكان مجهول...
ليكون الشاهد الأخير على أن الإنسان ليس سوى "تصميم" معقد...
يمكن تفكيكه وإعادة صياغته كقطعة فنية صامتة في معرض العدم الأبدي.