كارميلا الحب فيها يعني الموت - الفصل الثالث - بقلم إبراهيم موسى | روايتك

اسم الرواية: كارميلا الحب فيها يعني الموت
المؤلف / الكاتب: إبراهيم موسى
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

فهو الأكثر حدة ويعطي الحب جلس الملك "قيس" إلى جوار النار، والظلال ترقص على وجهيهما مع كل لهب. كانت عيناها لا تزال تحدقان فيه، لا بل كان يشعر وكأنهما تخترقان كل طبقة من شخصيته… كل خوف، كل ضعف، كل سر لم يبوح به لأحد. فجأة، ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها كانت مليئة بالمعرفة: "أعلم… عن الليلة التي لم تقل فيها الحقيقة لوالدك." توقف قلبه للحظة. لم يعتقد أنها ستعرف… لم يعتقد أن أحدًا يستطيع أن يعرف. "كيف…؟" تمتم، صوته نصف مكتوم، نصف مرتعش. "لستِ أنتَ الوحيد من يملك أسرارًا…" قالت، وتميل رأسها قليلاً كما لو كانت تراقب ردة فعله، "...وأنا… أقرأك، قيس." شعر فجأة بوخز الخوف والدهشة مختلطًا بالإعجاب. لم يعد الأمر مجرد صيد، أو مجرد وقت يقضيه معها… كانت تعرفه… بدون كلمات… بدون اعترافات… فقط… بالنظر إليه. وكأن كل ما ظنه مخفيًا… صار مكشوفًا الآن. الحب والخوف في نفس اللحظة وقف قيس فجأة، يبتعد عن النار، يحاول أن يستعيد رباطة جأشه، لكنه شعر أن كل خطوة تثقل قلبه أكثر. كانت هي تبتسم، لكن لم تكن ابتسامة دعابة أو ملاطفة… كانت ابتسامة… قراءة كل ما يخفيه قلبه. قال بصوت يكاد ينكسر: "كل ما أعرفه… كل ما أخفيه عن الجميع… أنتِ تعرفينه…" أومأت برفق، وكأنها تقول: نعم… وأنت تعلم أنني أعلم. ثم لمست القوس الذي بجانبها، ضغطت على الحبل بإصبعها، حتى ارتعش السهم بين يديها… بلا هدف… بلا إطلاق. "أحيانا… معرفة أسرار الآخرين… تجعلهم أضعف… وتجعلني أقوى." شعر قيس بالدهشة… وبالخوف… وبانفعال لا يستطيع السيطرة عليه. أدرك شيئًا مفزعًا: ليس فقط أنها تعرف أسراره… بل أنها قادرة على استغلالها، على قلب كل ما يعرفه عن نفسه رأسًا على عقب. وبينما كان يفكر في خطوته التالية، اقتربت منه خطوة… خطوة واحدة… ثم همست: "لا تحاول الهروب، قيس. لأنك… لم تكتشف بعد… ماذا يمكنني أن أفعل." صمتت… ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها كانت… مرعبة. ولأول مرة، شعر أنه لا يمكنه أن يختبئ من أي شيء، لا من قلبه… ولا من قلبها. جلس قيس أمامها تحت ضوء القمر، والنجوم تتلألأ فوقهما كأنها شاهدة على كل كلمة سيقولها. أمسك يديها، يشعر بحرارتها تنتقل إلى قلبه… وكل خوفه، وكل أسراره، وكل صمت السنوات، أصبح ينهار أمام شعور واحد: الحب الصافي. نظر في عينيها، وكانت تلك النظرة نفسها التي قلبت حياته رأسًا على عقب منذ اللقاء الأول… نظرة مليئة بالقوة والجمال والدهشة: "ليلى… أنا… أحبك أكثر مما أستطيع أن أصفه… أكثر من كل ما في هذه المملكة، أكثر من كل صيد… وأكثر من كل سر احتفظت به لنفسي… أريد أن أكون لك… أن أشاركك كل حياتي… هل… تتزوجينني؟" صمتت قليلاً، وكأن الزمن توقف. ثم ابتسمت… ابتسامة دافئة، حانية، تحمل وعدًا وسرًا وجمالًا: "نعم… يا قيس… سأكون لك… إلى الأبد." اقترب منها، وأحاطها بذراعيه برفق، لكن بقوة القلب الذي لم يعد يخف من أي شيء… أغمضت عينيها، واستسلمت للدفء الذي ينبع من حضنه… كانت هذه اللحظة الأولى التي شعر فيها كل منهما أن العالم كله قد توقف، وأن لا شيء سوى هذا الحب… والنجوم… والليل… والصمت الذي أصبح كلامًا. ثم اقترب من وجنتها، ولمس شفتيها بلطف، قبلة هادئة لكنها مشبوبة بالشغف… قبلة قالت كل ما لم يقله الكلام. وفي تلك اللحظة، عرفا أنهما ليس فقط عاشقا… بل قلبان أصبحا واحدًا، متحدان في الحب والخوف والسرّية وكل شيء بينهما. – الغرام بين الريح والنيران جلسا معًا قرب النار، والليل يمتد بلا نهاية، والنجوم ترسم فوقهما سماءً من السحر والوعود. كانت الريح تعانقهما بخفة، تهز خصلات شعر ليلى، فتبتسم وهي تلمس يديه بحنان. أحاط قيس بذراعيه جسدها، يحس بدفئها، ويشعر بأن كل خوف وكل سر قد أصبحا شيئًا بعيدًا، وأن العالم كله يختصر في هذه اللحظة. كانت تنظر إليه بعينيها اللامعتين، وكل نظرة تقول له أكثر مما تستطيع الكلمات التعبير عنه: عشق، ثقة، وعد… وانتماء. اقترب من وجهها، فالتقيا الشفتان في قبلة هادئة، لكنها تنمو مع كل ثانية، تأخذ من النار قربًا… من البراري حرية… من الريح شغفًا. أغمضا عينيهما، واستسلمت روحهما لبعضها، كل قبلة كل لمسة… كأنها تحدد مصير قلبين صار لا يفترقان. ثم جلس قيس خلفها على الأرض، يحتضنها برفق، وهي تميل إلى صدره، تستمع إلى خفقان قلبه كما لو كان قلبها الخاص. كانت الريح تغني حولهما، وعبير الليل يملأ المكان، والخيول في البعيد تتحرك بهدوء… كل شيء في الطبيعة يشاركهما هذا الغرام. ابتسم قيس وهمس: "ليلى… لم أعش قبل اليوم." ضحكت بخفة، تنبعث من ضحكتها موسيقى، وقالت: "وأنا… لم أحب قبل أن أكون معك." وفي تلك اللحظة، تحت ضوء القمر والنيران والسماء المفتوحة، عرفا شيئًا واحدًا: الحب بينهما لم يكن مجرد شعور…