الفصل الثاني
– مجنون ليلى
حين كبرت…
لم تعد تلك الطفلة التي أُخذت من بين الرماد،
بل أصبحت امرأةً… يخضع الجمال نفسه لها.
رآها الملك…
لكن هذه المرة… لم يرَها كوصيٍّ أو كمنقذ.
لم تكن مجرد امرأة…
كانت شيئًا أقرب إلى الأسطورة.
بشرةٌ بيضاء، ناعمة كالحليب،
تعكس الضوء وكأنها لا تنتمي لهذه الأرض
.
شعرٌ أشقر طويل،
ينسدل بهدوءٍ فوق كتفيها،
كخيوط ذهبٍ صامتة تحمل أسرارًا لا تُروى.
لكن…
لم يكن جمالها في ملامحها فقط.
بل في عينيها.
زرقاوان… بشكلٍ غير طبيعي،
ليستا مجرد لون،
بل عمقٌ غريب… كأنك إن نظرت فيهما طويلًا،
رأيت أشياء لا يجب أن تُرى.
ذلك الزرَق…
هو ما جعل الجميع يهابها،
قبل أن يعجب بها.
كانت طويلة القامة،
ممشوقة، ثابتة الخطوات،
تسير وكأن الأرض تعرف مكانها مسبقًا.
لم تكن خجولة… ولا ضعيفة.
فهي ابنة ملوك،
ومن وُلد في القصور… لا يعرف الانكسار.
لكن…
كان في حضورها شيء غير مريح.
هدوءها لم يكن طبيعيًا،
ونظراتها… لم تكن عادية.
وكأنها…
ترى أكثر مما ينبغي.
🔥
هام بها حدّ الجنون،
صار يتبع خطواتها بعينيه،
ويبحث عنها في كل زاوية من القصر.
وفي يومٍ، وقف أمامها…
ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ خافت:
"سأسميكِ ليلى…"
رفعت عينيها نحوه، دون أن تفهم.
ابتسم… وقال:
"لأنني… قيس."
ومنذ ذلك اليوم…
لم يعد يناديها باسمها الحقيقي.
بل أصبحت… ليلى.
وكان يهمس لها دائمًا:
"أنا مجنونكِ يا ليلى…"
والغريب…
أنها لم ترفض.
بل… أحبّت ذلك.
تسلل حبه إلى قلبها ببطء،
حتى أصبحت تنتظره… كما ينتظرها.
لكن حبها… لم يكن كحب باقي النساء.
لم تكن تهتم بالزينة،
ولا تقضي وقتها بين الجواري.
بل كانت…
تعشق السيوف.
تمسك بها وكأنها جزءٌ منها،
تتدرّب في الساحات،
وتقاتل دون خوف… وكأن الدم لا يرعبها.
كانت تقف بين الجنود،
لا كملكة…
بل كمحاربة.
وكانوا يهابونها… أكثر مما يحترمونها.
لكن…
رغم كل هذا الحب…
كان هناك شيءٌ في داخلها…
لم ينتمِ له أبدًا.
شيءٌ لم يستطع الملك أن يلمسه،
ولا أن يفهمه.
شيءٌ… كان ينتظر اللحظة المناسبة.
🔥
كان الملك يأخذها معه في رحلات الصيد…
بعيدًا عن كارميلا،
بعيدًا عن العيون… والقوانين… وحتى الحقيقة.
في تلك البراري المفتوحة،
حيث لا صوت إلا للريح…
ولا شهود إلا السماء…
كان يحاول أن يكون… مجرد رجل.
يقضي معها ساعاتٍ طويلة،
يمشي إلى جوارها،
يراقبها وهي تمتطي جوادها بثبات،
وكأنها وُلدت لتقود… لا لتُقاد.
كانت تمسك القوس أحيانًا،
وأحيانًا السيف،
تصيب أهدافها بدقةٍ مخيفة…
دون تردد… دون رحمة.
وكان يُعجب بها أكثر…
كل مرة.
لكن…
رغم هذا القرب،
ورغم كل تلك اللحظات التي جمعتهما…
لم يكن يجرؤ على الاقتراب منها أكثر.
ليس لأنه لا يريد…
بل لأنه… كان يخاف.
نعم… الملك نفسه… كان يخاف.
عيناها…
كانتا حادتين كالسيف،
نظرة واحدة منها…
كفيلة بأن تجعله يتراجع خطوة.
لم يكن يعرف لماذا،
لكن في كل مرة يقترب فيها…
يشعر وكأنها ترى شيئًا بداخله…
شيئًا لم يره هو بنفسه.
وكأنها…
ليست فقط تنظر إليه،
بل… تقرأه.
وفي إحدى الليالي…
بينما كانا يجلسان قرب النار،
والصمت يحيط بهما…
رفعت عينيها نحوه فجأة.
نظرت إليه… تلك النظرة نفسها.
ثم قالت بهدوء:
"هل تخاف مني… يا قيس؟
قال لها انا لا اخاف منك بلا اخاف من عينيكي🔥