خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Three | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Three

Chapter Three

الفصل الثالث: سَديمُ الأجداث (بقلم: سلاف) خَرَجتُ من حطامِ منزلي أحملُ جثمانَ أمي، وشهادةَ وفاتها كأنها صكُّ انكساري الأبديّ. لم يكن معي أحد، سوى الريحِ التي تصفعُ وجهي ببرودةٍ قارسة، والوحشةِ التي استوطنت في ثنايا صدري. وصَلتُ إلى أطرافِ المقابر، حيثُ يبتلعُ الصمتُ أنينَ الأحياء، وتحت المطرِ المنهمر، بدأتُ أحفرُ بيديَّ العاريتين. تغلغلت أظافري في التربةِ الصلبة، شعرتُ بالصقيعِ يجمّدُ مفاصل عجزِي، وكأنَّ الأرضَ تأبى أن تفتحَ ذراعيها لفقري، أو ربما تشفقُ على جسدِ أمي من لحدٍ حفرهُ الضعف. وفجأة.. خيّمَ فوقي ظلٌّ مديد، انقطعَ معه انهمارُ المطرِ عن جسدي المرتجف. توقفتُ بذهول، ورأيتُ نصلَ "حفارةٍ صغيرة" يشقُّ الترابَ بقوةٍ صامتة وسكونٍ مريب. رفعتُ نظري ببطءٍ لتتجمدَ الكلماتُ في حنجرتي. كان هو.. عزرائيل. يقفُ بهيبةٍ تخطفُ الأنفاس، يمسكُ بمظلةٍ سوداءَ فخمةٍ تقيهِ بللَ السماء، بينما يدهُ الأخرى تمسكُ بمقبضِ الحفرِ وتغرسُه في أعماقِ الأرضِ بإيقاعٍ رزينٍ لا يخطئ. كان شعرهُ الكثيف الحريريُّ ينسدلُ بتمردٍ على جبهته، وعيناهُ.. يا لهما من عينين! كانتا كـ عينَي صقرٍ جارح، حادتين، تخترقانِ غلافَ الروح وتكشفانِ أسرارَ الموتِ القابعة في القلوب. رغمَ بؤسِ المكان، كان يتألقُ بأناقةٍ مستفزة، بذلةٌ سوداءُ لا تشوبها شائبة، وحضورٌ يفيضُ برقيٍّ موحشٍ يجعلُ الهواءَ من حولهِ ثقيلاً كأنهُ رصاص. أنهى حفرَ اللحدِ ببرودٍ تام، وكأنَّ القبورَ طوعُ بنانه، ثم التفتَ إليّ بنظرةٍ صقريةٍ جعلت قلبي يرتجفُ هيبةً لا خوفاً. بلعتُ ريقي الجاف، وقلتُ بصوتٍ متهدج: "أأنتَ.. أنتَ مَن حَملني إلى غرفتي ذاك المساء؟" سادَ صمتٌ جنائزي، قبل أن يُغلقَ مظلتهُ بهدوءٍ قاتل، ويقتربَ مني حتى غابت ملامحُ الدنيا خلف قامته. نطقَ بصوتٍ عميقٍ له صدى الأقدار: "نعم.. وأنا مَن سآخذكِ الآن إلى مملكتي." لم أشعر بعدها إلا والكونُ يدورُ بي، والوعيُ ينسلُّ مني كقطرةِ ماءٍ تاهت في محيطٍ من سواد. أتعرفون لِمَ أُسمّيهِ بذَاك الاسم؟ لأنهُ دائماً.. ودائماً ما يُذكّرني بالموت.