Chapter Two
بـسـم الله 🥷🏻☝🏻
الثاني: قدّاسُ الفجيعة
(بقلم: سلاف)
تجاهلتُ نداءَ الموتِ في رأسي، وسرتُ نحو الزقاق الموبوءِ كذبيحةٍ تسعى لسكينها. وفجأة، انطبقَ الفخ.
خمسةُ أجسادٍ قذرة حاصرتني، وجوهُهم مشوهةٌ بشهوةِ الأذى، وأنصالُهم تلمعُ بصدأٍ لا يرحم. اقتربَ زعيمُهم، يدهُ الخشنة تمتدُّ لتمزيقِ ما تبقى من حُرمةِ ثيابي، فصرختُ بملءِ روعي، صرخةً استنجدتُ فيها بالسماء.. لكنَّ السماءَ كانت صامتة، والأرضُ بدأت تهتزُّ تحت قدمي.
فجأة، انكمشتِ الجدرانُ حولي.
لم يعدْ صوتاً، بل كان زلزالاً داخل جمجمتي؛ (أزيزٌ مرعب كاحتراقِ النجوم، وضجيجٌ معدنيٌّ يمزقُ طبلةَ أذني). سقطتُ على ركبتيَّ أقبضُ على رأسي الذي كاد ينفجر، وبينما كانت الرؤيةُ تظلمُ تدريجياً، سمعتُ صوتهُ الرخيم يترددُ في أعماقي كحكمِ إعدام:
"أنتِ مَن أردتِ الخروج.. أنتِ مَن اخترتِ الغرق في هذا المستنقع.. فلتتجرعي الآن مرارةَ غبائكِ!"
وقبل أن أفقدَ الوعيَ تماماً، انشقَّ الظلامُ عنه.
كان "عزرائيل" يثبُ كفهدٍ منبثقٍ من سقر. رأيتُه يقتلعُ حنجرةَ الأول بظفرهِ فقط، وبحركةٍ فخمةٍ ومرعبة، غرسَ يدهُ في صدرِ الآخر لينتزعَ قلبهُ النابضَ ببرودٍ ملكي. لم يكن قتلاً، بل كان "فناً دموياً". لمحتهُ يلعقُ الدماءَ عن نصله، وعيناهُ تتوهجانِ بجمالٍ شيطانيٍّ يسلبُ الروح قبل الجسد. سقطتُ في غيابةِ الوعي، وصورةُ جثثهم الممزقة هي آخرُ ما رأت عيناي.
استيقظتُ في غرفتي، وعرقي يقطرُ كالمطر. نظرتُ بجانبي بذهول؛ كانت هناك علبةُ دواءٍ فاخرة، باردة، وكأنها سُحبت لتوها من ثلاجةِ قصرٍ منيف.
هرعتُ لغرفةِ أمي، أناديها بأنفاسٍ محترقة: "أمي! انظري! لقد جاء الدواء!"
لكنَّ الصمتَ كان رداً قاتلاً. لمستُ جبينها، فكان قطعةً من رخامِ القبور. لقد رحلت. تركتني لقمةً سائغة لـ "عزرائيل". انهرتُ فوق صدرها البارد، أعوي كذئبةٍ جُرحت في مقتل، لكنَّ العالمَ لم يمهلني حتى للحزن.
تحطمَ البابُ تحت حذاءِ صاحبِ البيتِ الغليظ، صرخَ بوجهي وهو يرمي ثيابي الرثة للخارج: "كفاكِ عويلاً أيتها المنحوسة! لا مكانَ للجثثِ ولا للمفلسين هنا.. اخرجي إلى الشارع، فهو المكانُ الوحيد الذي يليقُ بأمثالكِ!"
في لحظةٍ واحدة، فقدتُ الأمَّ، والسكن، والعقل. وقفتُ في العراءِ تحت المطر، وأنا أشعرُ بظلٍّ طويلٍ يمتدُّ خلفي، وصوتِ "عزرائيل" يهمسُ بخبثٍ وفخامة:
"الآن فقط.. صرتِ جاهزةً لتكتبي معي أولى صفحاتِ الجحيم."