الفصل الرابع: أنا و أنا
توقف الزمن.
هكذا شعر آدم وهو يرى تلك اليد تخرج من المرآة ببطء قاتل.
لم يعد قادرا على التمييز بين الخوف والواقع… بين ما يجب أن يحدث وما لا يمكن أن يحدث.
كانت اليد أمامه, حقيقية لا وهم، باردة. ترتجف قليلا أو ربما كان هو من يرتجف.
تراجع خطوة أخرى، وصوته خرج متقطعا:
"توقف… لا تقترب أ أ أرجوك."
لكن اليد لم تتوقف، بل تبعتها الذراع ثم الكتف، وببطء شديد، خرج الوجه، كان يشبهه في كل شيء، إلا في العينين، كانت عيناه هناك… فارغتين، عميقتين، كأنهما تحملان شيئا أقدم من الخوف نفسه كالحقد و الكراهية كما لو كان شيطانا لا مجرد انعكاس.
وقف الكيان أمامه أخيرا، نسخة كاملة، صامتة، تنظر إليه كأنها تود استحواذ على جسده.
تراجع آدم حتى التصق بالحائط، وكأنه يريد أن يختفي داخله.
"من… من أنت؟"
ابتسم الكيان، نفس الابتسامة الباردة التي رآها من قبل، ثم قال بصوت هادئ، لكنه ثقيل:
"ألم تفهم بعد؟"
توقف للحظة، واقترب خطوة من آدم.
"أنا هو أنت المظلمة."
صرخ آدم:
"لا! أنا أنا! أنت مجرد… شيء!"
أمال الكيان رأسه قليلا، كأنه يفكر.
"شيء؟"
ثم ضحك ضحكة قصيرة مليئة بالرعب، خالية من أي دفء.
"أنا كل ما حاولت أن تخفيه عن الجميع."
اقترب أكثر و قال بصوت مرتفع. كما لو كان راغبا في فرض نفسه.
"غضبك… خوفك… أفكارك حتى خبثك التي لم تجرؤ على قوله."
ارتجف آدم، وصرخ:
"فل تصمت يا هذا!"
لكن الكيان لم يصمت.
"هذا، ألم تفهم بعد أنني أنت. أتتذكر؟"
قالها وهو يحدق في عينيه مباشرة.
"ذلك اليوم… حين أردت أن تصرخ في وجه الجميع… لكنك ابتسمت بدلا من ذلك أتذكر ذاك اليوم؟"
توسعت عينا آدم.
"كنت أنا من أراد أن يصرخ."
و تقدم خطوة أخرى نحو آدم.
"وأنت… حبستني جعلتني أكبت بداخلي كل ذلك."
دفعه آدم فجأة بكل ما لديه من قوة.
"ابتعد عني!"
تراجع الكيان خطوة واحدة فقط ثم توقف.
نظر إلى يده، كأنه يتفحصها، ثم رفع عينيه ببطء، لم يعد يبتسم.
"لن تستطيع الهروب لا مهرب لك."
قالها بهدوء مرعب، وفجأة، اندفع نحوه.
حاول آدم الهرب، لكن الكيان أمسك بذراعه بقوة، و شعر حينها ببرودة حادة تخترق جلده، كأنها تمتد إلى داخله.
صرخ، وحاول الإفلات، لكن القبضة كانت أقوى أكثر مما توقع.
"اتركني!"
لكن الكيان اقترب منه أكثر حتى أصبحا وجهيهما متقابلين تماما.
"لم أخرج لأؤذيك خرجت لأكملك لأخاطبك."
في لحظة من الرعب والغضب،
جمع آدم كل قوته، ووجه ضربة قوية نحو وجهه.
تراجع الكيان هذه المرة بوضوح.
توقف، ثم ابتسم، لكن ابتسامته هذه المرة كانت مختلفة، أوسع، وأخطر.
"جيد هذه حقيقتنا، أخيرا بدأت تكون صادقا."
انطلق القتال لم يكن كأي قتال عادي.
كان كأن آدم يقاتل نفسه بكل ما فيها من قوة وضعف.
كل ضربة يوجهها، يشعر بها في جسده، كل سقوط للكيان يترك أثرا عليه.
صرخ آدم مرعوبا
"لماذا لا تختفي؟!"
رد الكيان، وهو يتفادى ضربة:
"لأنك أنا! ألم تدرك ذلك بعد يالك من غبي"
ثم أمسك به ودفعه بقوة نحو المرآة.
اصطدم آدم بها، واهتزّ الزجاج خلفه.
"لا يمكنك قتلي"
قال الكيان وهو يقترب ببطء.
"إما أن تقبلني…"
و تقدم خطوة نحوه.
"أو… أقبلك أنا، لا خيار آخر."
نظر آدم حوله بسرعة، عيناه وقعتا على شيء على الطاولة، كان مصباح، أمسكه بسرعة، وبدون تفكير، ضرب به المرآة.
تحطمت، وتناثر الزجاج في كل مكان.
تجمد الكيان، توقف، ونظر حوله… ثم إلى يديه، وبدأ جسده يرتجف.
"ماذا… فعلت؟"
بدأت الشقوق تظهر عليه كما ظهرت على المرآة من قبل, تراجع خطوة, ثم أخرى.
"لا… هذا ليس…"
وقبل أن يكمل تكسر بالكامل كما لو انه هو الزجاج، اختفى، كأنه لم يكن.
سقط آدم على الأرض، ويلهث.
عم الصمت على الغرفة، لا صوت سوى أنفاسه.
نظر حوله، لا مرآة، لا كيان، لا شيء مريب، فقط هو وحيد.
أغمض عينيه، وشعر لأول مرة منذ أيام بشيء يشبه الراحة، لكن بعد لحظات رن هاتفه، نظر إلى الشاشة، كانت هناك رسالة، من رقمه هو.
فتحها، وكان فيها سطر واحد:
"هل تظن أن كسر المرآة يكفي؟"
تجمد.، وببطء، رفع نظره.
نحو قطع الزجاج المكسورة على الأرض، وفي كل قطعة كان هناك انعكاس, وكل انعكاسات كانت تبتسم.