الفصل الثالث
لا تُحب من أول لقاء… ولا تجعل من نفسك عرضةً للفداء… ولا تأمن اللقاء، حذارِ أن يكون فراق…
هكذا بدأتُ حديثي مع نفسي، وكأنني أُحاول أن أُقنع قلبًا أحمق لا يفهم لغة العقل، ولا يهاب النهايات.
هيا يا شوشو… انطلق…
هكذا كنتُ أُنادِي نفسي ساخرًا، وأنا أغوص أكثر في بحر الذكريات، ذلك البحر الذي لا شاطئ له، ولا نجاة منه.
---
لم تكن مجرد فتاة…
بل كانت لحظة كاملة من الجمال، سقطت فجأة في حياتي، ثم اختفت… وكأنها لم تكن.
أذكر ذلك اليوم جيدًا…
أذكر كيف توقّف الزمن حين رأيتها، وكيف شعرتُ أن العالم من حولي قد أصبح باهتًا، إلا منها.
كانت تمشي بخطى هادئة، كأن الأرض تخشى أن تُصدر صوتًا تحت قدميها.
طويلة… نعم، لكنها لم تكن مجرد طول، بل حضور… حضور يملأ المكان دون أن تتكلم.
رقيقة… إلى حد أنني كنت أخاف أن تلمسها الريح فتؤذيها.
شعرها البني كان يتسلل على كتفيها كخيوط ضوءٍ غروبٍ خجول، وعيناها… آه من عينيها…
عسليتان… لكنهما لم تكونا مجرد لون، بل حكاية…
حكاية دفءٍ، وحنين، وغموضٍ قاتل.
أما رموشها… فكانت طويلة، كأنها تحاول أن تُخفي سرًا في عينيها، أو تحجب عن العالم ذلك الجمال الذي لا يُحتمل.
بيضاء… لكنها ليست بياضًا عاديًا، بل صفاء…
كأنها لم تُخلق من تراب، بل من نورٍ ناعمٍ لا يُرى إلا لمن يُحب.
كانت… جميلة حد الألم.
---
اقتربتُ منها يومها… لا أدري كيف امتلكتُ الجرأة، ولا لماذا لم أتراجع.
ربما لأنني لم أكن أعلم… أن تلك الخطوة الصغيرة، ستكلّفني كل هذا الاشتياق لاحقًا.
تحدثنا…
ضحكت…
نظرت إليّ… تلك النظرة التي بقيت محفورة في قلبي، كجرحٍ لا يلتئم.
ومنذ تلك اللحظة…
انتهيت.
نعم… انتهيت دون أن أشعر.
وقعتُ… دون أن أسمع صوت السقوط.
---
قالوا لي: “لا تُحب من أول لقاء…”
لكنهم لم يخبروني ماذا أفعل… إن جاء اللقاء كأنه قدر.
لم يخبروني كيف أُقاوم قلبًا رأى فيها وطنه… من النظرة الأولى.
---
ثم… رحلت.
ببساطة… كما جاءت.
لم تترك تفسيرًا، ولا وعدًا، ولا حتى كذبةً جميلة أتمسك بها.
اختفت… وتركتني هنا، أُحارب ذكراها في كل ليلة.
أشتاقها…
أشتاق ضحكتها التي كانت تُشبه بداية الحياة.
أشتاق صوتها… الذي كان يُهدّئ شيئًا بداخلي لم أكن أعرف أنه مضطرب أصلًا.
أشتاق حتى لصمتها…
نعم، لصمتها.
---
أصبحتُ أتذكّرها في كل شيء…
في الشوارع التي مشينا فيها،
في الأماكن التي لم نزُرها،
في الأغاني التي لم نسمعها سويًا، لكنها تُشبهها بطريقة ما.
حتى القمر… صار يُذكرني بها.
أجلس أحيانًا، أحدّق فيه طويلًا… وأسأل نفسي:
هل تنظر إليه الآن؟
هل تتذكرني… ولو صدفة؟
أم أنني كنت مجرد محطة عابرة… في طريقٍ لم يكن لي فيه مكان؟
---
هيا يا شوشو… انطلق…
قلتُها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن سخرية…
كانت محاولة أخيرة… للنجاة.
لكن الحقيقة المؤلمة…
أنني لم أتحرك.
بقيتُ واقفًا هناك…
في نفس اللحظة…
في نفس اللقاء الأول…
حيث رأيتها لأول مرة…
وحيث… ضيّعتُ نفسي إلى الأبد.