الفصل الرابع: الحقيقة المدفونة
لم يكن الظلام هذه المرة مجرد غياب للرؤية، بل كان اقتراباً… اقتراب شيء واعٍ، شيء يتنفس داخل العتمة، يزحف نحو آدم ببطء محسوب، كأنه يستمتع بالخوف الذي يتصاعد داخله.
وقف آدم في مكانه، الملف لا يزال بين يديه، عيناه تحاولان اختراق السواد، لكن بلا جدوى. ومع ذلك، كان يشعر به… ذلك الشيء… لم يكن بحاجة إلى رؤيته ليعرف أنه موجود.
ثم بدأ كل شيء يتغير.
الصور على الجدران بدأت تتحرك.
لم تسقط… لم تختفِ… بل بدأت “تتبدل”. الوجوه فيها تشوهت، تعابيرها تغيرت، وبعضها بدأ يبتسم، ابتسامات غير طبيعية، باردة، وكأنها لم تعد مجرد صور… بل كيانات محبوسة خلف طبقة رقيقة من الواقع.
ثم عاد الصوت.
لكن هذه المرة لم يكن همساً.
كان واضحاً، عميقاً، وكأنه يأتي من داخل رأسه ومن كل زاوية في نفس الوقت:
"أنت تقترب…"
"لكن هل أنت مستعد…؟"
بدأت الأرض تحت قدميه تهتز، خفيفة في البداية، ثم أقوى. الملف سقط من يده، الصفحات تناثرت، وكل صفحة بدأت تُعرض مشاهد… صور… ذكريات… لكنها لم تكن ثابتة.
كان يرى نفسه… في الحادث.
لكن ليس كما يتذكره.
هذه المرة، كان داخل السيارة.
كانت يده على المقود.
والطريق أمامه مظلم… مثل هذه المدينة.
تجمدت أنفاسه.
بدأ المشهد يزداد وضوحاً، وكأن الغرفة نفسها تحولت إلى شاشة ضخمة تعرض الحقيقة التي حاول عقله دفنها.
كان يقود بسرعة.
صوت الهاتف كان يرن.
نظر إليه.
رسالة.
نفس الرسالة.
"تعال إلى مدينة لا تنام."
في تلك اللحظة، فقد تركيزه.
الضوء أمامه اختفى.
وصوت اصطدام… عنيف.
كل شيء تحطم.
عاد آدم إلى الواقع وهو يصرخ، يسقط أرضاً، يضع يديه على رأسه وكأنها ستنفجر. أنفاسه كانت متقطعة، وعيناه مليئتان بالذعر.
الحقيقة بدأت تتضح.
لم يكن مجرد ضحية.
هو… كان السبب.
لكن الصوت لم يتوقف.
"هذا ليس كل شيء…"
وفجأة، ظهرت صورة أخيرة.
أوضح من كل ما سبق.
السيارة بعد الحادث… لكنها لم تكن فارغة.
كان هناك شخص آخر.
شخص لم يتذكره من قبل.
شخص… كان يمكن إنقاذه.
لكن آدم… لم يحاول.
هرب.
عاد الظلام يحيط به، لكن هذه المرة، لم يكن يخيفه فقط… بل كان يكشفه.
ثم ظهر.
شكل… غير واضح، يتكون من الظلال نفسها، أطول من أي إنسان، بلا ملامح ثابتة، لكنه يملك حضوراً ثقيلاً، خانقاً.
وقف أمام آدم.
وقال بصوت بارد:
"المدينة لا تعاقب…"
"هي فقط… تُظهر الحقيقة."
بدأ جسد آدم يثقل، كأن شيئاً يشده إلى الأرض. الصور من حوله بدأت تسقط، تتحطم، وكل صورة كانت تصدر صوتاً… صرخة مكتومة.
"أنت لم تأتِ لتبحث عن الحقيقة…"
"أنت جئت لأنك لم تستطع الهروب منها."
اقترب الظل أكثر.
"والآن… حان وقت الاختيار."
اختفى كل شيء فجأة.