الفصل الثالث: أرشيف الأرواح
ما إن أغلق الباب خلف آدم حتى شعر بأن العالم الذي كان فيه قد انقطع تماماً، وكأن ذلك الباب لم يكن مجرد مدخل إلى مكان آخر، بل كان فاصلاً بين واقعين مختلفين. الهواء هنا كان مختلفاً، أخف قليلاً، لكنه مشبع بإحساس غريب، إحساس بأن كل شيء في هذا المكان “واعي”… يراقب… ويفهم.
كان يقف داخل ممر طويل، جدرانه مغطاة بخشب داكن، قديم، مليء بالخدوش والعلامات التي بدت وكأنها ليست مجرد آثار زمن، بل رسائل… أو محاولات يائسة لترك أثر. الضوء الخافت الذي كان يخرج من الداخل لم يكن له مصدر واضح، لم تكن هناك مصابيح، ولا نوافذ، ومع ذلك، كان المكان مضاءً بما يكفي ليرى… أو بالأحرى، ليرى ما يُراد له أن يراه.
تقدم ببطء، كل خطوة تصدر صريراً خفيفاً تحت قدميه، وكأن الأرضية نفسها تشتكي من وجوده. كان قلبه لا يزال ينبض بسرعة، لكن شيئاً آخر بدأ يظهر داخله… فضول، قوي، غريب، يكاد يكون أقوى من خوفه.
في نهاية الممر، كان هناك باب واحد فقط.
لم يكن مثل الباب الذي دخل منه، هذا كان مختلفاً، أكثر حداثة، مصنوعاً من معدن أسود لامع، وفي وسطه مقبض دائري، يبدو بارداً حتى من بعيد. توقف آدم أمامه، تردد للحظة، ثم مد يده وفتحه.
ما وجده خلف الباب لم يكن غرفة عادية.
كانت واسعة… واسعة بشكل غير منطقي، أكبر بكثير مما يفترض أن يحتويه ذلك المبنى. الجدران لم تكن واضحة، كأنها تمتد إلى ما لا نهاية، مغطاة بأشياء… صور.
آلاف الصور.
معلقة، ملتصقة، متداخلة، بعضها فوق بعض، صور بأحجام مختلفة، لأماكن، لأشخاص، لوجوه… لكن كلما اقترب أكثر، بدأ يلاحظ شيئاً مرعباً:
كل الصور كانت له.
في كل صورة، كان آدم موجوداً، لكن في أوضاع مختلفة، أماكن مختلفة، أعمار مختلفة. في بعضها كان طفلاً، في أخرى كان أكبر سناً، وفي بعض الصور… كان ميتاً.
تراجع خطوة، غير قادر على استيعاب ما يراه، لكن عينيه لم تستطيعا الابتعاد. كان هناك شيء في تلك الصور يشده، شيء يجعله يريد أن يفهم.
اقترب من واحدة منها.
كانت تظهره واقفاً أمام منزله القديم، نفس المنزل الذي عاش فيه مع عائلته… قبل الحادث. لكن في الصورة، كان وحده، والبيت خلفه مظلم بالكامل، وكأن لا أحد يسكنه.
مد يده ولمس الصورة.
وفي اللحظة التي فعل فيها ذلك، اختفى كل شيء.
وجد نفسه واقفاً أمام ذلك المنزل.
نفس الشارع، نفس الرصيف، نفس الباب… كل شيء كان حقيقياً، وكأنه عاد بالزمن إلى الوراء. كان يستطيع أن يسمع الريح، أن يشعر ببرودة الهواء، حتى رائحة المكان كانت كما يتذكرها.
تقدم ببطء نحو الباب، قلبه يخفق بقوة، يده ترتجف وهو يمدها ليفتحه.
دخل.
الصمت كان ثقيلاً في الداخل، لكنه لم يكن فارغاً. كان هناك إحساس بوجود شيء… أو شخص. سار داخل المنزل، نظر إلى الجدران، إلى الصور القديمة، إلى الأثاث… كل شيء كان كما كان.
ثم سمع صوتاً.
خطوات.
تجمد مكانه.
الصوت كان يأتي من الطابق العلوي.
ببطء، بدأ يصعد الدرج، كل خطوة كانت تبدو وكأنها تُسمع في كل أنحاء المنزل. عندما وصل إلى الأعلى، كان الباب في نهاية الممر مفتوحاً قليلاً.
اقترب.
ودفعه.
الغرفة كانت مظلمة، لكن كان هناك ضوء خافت يكشف ما بداخلها… سرير، وخزانة… وشخص.
كان هناك شخص واقف في الزاوية.
تقدم آدم خطوة، ثم توقف فجأة.
ذلك الشخص… كان هو.
لكن هذه النسخة كانت مختلفة. ملامحه متعبة، عيناه غارقتان في الظل، ووجهه يحمل تعبيراً ثقيلاً… مليئاً بالذنب.
نظر إليه.
وتحركت شفتاه.
لكن لم يخرج صوت.
وفجأة، عاد كل شيء.
عاد آدم إلى الغرفة المليئة بالصور، يسقط على ركبتيه وهو يلهث بقوة، وكأن الهواء اختفى من رئتيه. نظر حوله، الصور ما زالت هناك، لكنها بدت الآن وكأنها تراقبه… تنتظر اختياره التالي.
بدأ يفهم شيئاً واحداً فقط.
هذه ليست مجرد صور.
هذه… احتمالات.
حيوات لم يعشها… أو ربما عاشها بطريقة ما.
نهض ببطء، يحاول استعادة توازنه، وعقله يغلي بالأفكار. إذا كانت هذه الصور تمثل نسخاً مختلفة منه… فهذا يعني أن المدينة ليست مكاناً عادياً، بل شيء أكبر بكثير.
شيء يتحكم… أو يجمع… أو يختبر.
ثم لاحظ شيئاً جديداً.
في وسط الغرفة، كان هناك طاولة لم تكن موجودة من قبل.
فوقها… ملف.
تقدم نحوه بحذر، وكأن كل خطوة قد تغيّر كل شيء. عندما وصل، مد يده وفتح الملف.
في الصفحة الأولى، كان هناك عنوان واحد فقط:
"الموضوع: آدم"
تحته، سطور طويلة، تفاصيل… عن حياته.
كل شيء.
تاريخ ميلاده، طفولته، دراسته، علاقاته… حتى أفكاره التي لم يخبر بها أحداً.
ثم وصل إلى جزء معين.
"الحادث."
تجمد.
بدأ يقرأ، وكل كلمة كانت تثقل صدره أكثر.
لكن هناك شيء لم يكن كما يتذكره.
حسب الملف… لم يكن الحادث مجرد صدفة.
كان هناك سبب.
سبب… يتعلق به هو.
توقف عن القراءة، يده ترتجف، وعقله يرفض تقبل ما يراه.
ثم ظهرت جملة أخيرة في أسفل الصفحة:
"الحقيقة الكاملة لم تُكشف بعد."
وفي تلك اللحظة…
انطفأ الضوء.
لكن هذه المرة، لم يعد الظلام صامتاً.
بل كان يقترب.