مدينة لا تنام - الفصل الثاني: العيون التي لا تُغلق - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مدينة لا تنام
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: العيون التي لا تُغلق

الفصل الثاني: العيون التي لا تُغلق

لم يكن الظلام الذي ابتلع المدينة مجرد غياب للضوء، بل كان حضوراً كثيفاً لشيء آخر، شيء لا يمكن للعقل تفسيره بسهولة. كان آدم يقف في وسط الساحة، أنفاسه متسارعة، وجسده متجمد في مكانه، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق. لم يكن يرى شيئاً، ومع ذلك، كان يشعر أنه مكشوف بالكامل، كأن مئات العيون تحدق فيه من كل اتجاه. حاول أن يتحرك، أن يهرب، لكن قدميه لم تستجيبا فوراً، وكأن الأرض تمسك به. مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يتمكن من التراجع خطوة، ثم أخرى، وهو يمد يديه في الظلام يحاول أن يلمس أي شيء يدلّه على الاتجاه. لم يكن هناك صوت سوى دقات قلبه التي أصبحت كطبول حرب داخل صدره. ثم عاد الصوت. لكن هذه المرة لم يكن كلمة واحدة. كان نفس الهمس الذي سمعه من قبل، لكنه أصبح أوضح، أقرب، وأكثر إصراراً. كلمات متداخلة، أصوات متعددة، لكنها تتحدث بنفس النبرة، كأنها كيان واحد بألف لسان. "أنت تأخرت…" "كنا ننتظرك…" "لم يعد هناك طريق للعودة…" أغلق آدم أذنيه بيديه، لكنه لم يستطع إيقاف الصوت. لم يكن الصوت خارجياً فقط، بل كان يتردد داخل رأسه، كأن أفكاره لم تعد ملكه وحده. بدأ يشعر بالدوار، وكأن عقله يغرق في بحر من الأصوات. ثم، فجأة، عاد الضوء. لكن ليس كما كان. المصابيح لم تضيء كلها، فقط بعضها، وبضوء أضعف، باهت، يكشف أكثر مما يخفي. الساحة لم تعد كما رآها قبل لحظات. التمثال ما زال في مكانه، لكن القماش الأسود الذي أزاحه عاد يغطيه، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن آدم كان يعلم أن كل شيء قد تغيّر. نظر حوله بسرعة، يحاول أن يجد أي علامة للحياة، أي إنسان، أي شيء طبيعي… لكنه لم يجد سوى شيء واحد: ظلال. كانت هناك ظلال تتحرك، ليس بسبب الضوء، بل من تلقاء نفسها. تنزلق على الجدران، تتشكل وتختفي، تقترب وتبتعد، كأنها تراقبه. لم تكن لها ملامح واضحة، لكنها كانت حقيقية بما يكفي لتجعل جلده يقشعر. بدأ يتراجع ببطء، عيناه تتحركان في كل اتجاه، يحاول أن يتجنب النظر مباشرة إلى تلك الظلال، لكنه لم يستطع. كان هناك شيء فيها يجذبه، شيء يجعله يريد أن يفهمها، رغم الخوف الذي يتزايد داخله. ثم رأى واحداً منها يتوقف. كان أقرب من البقية. تجمّع على جدار قديم، وبدأ يأخذ شكلاً… شكلاً بشرياً. لم يكن واضحاً بالكامل، لكن ملامحه بدأت تتشكل تدريجياً. رأس، كتفان، ذراعان… ثم وجه. وفي اللحظة التي اكتمل فيها الوجه، شعر آدم أن الدم تجمّد في عروقه. كان وجهه هو. لكن هذه النسخة لم تكن فارغة كما في التمثال، بل كانت تبتسم… ابتسامة باردة، مليئة بشيء لا يمكن وصفه. تحرك الظل خطوة إلى الأمام، منفصلاً عن الجدار، وكأنه أصبح جسداً حقيقياً، لكن بلا عمق، بلا وزن. كان يمشي نحوه ببطء، وكل خطوة كانت تجعل الهواء حوله يبرد أكثر. تراجع آدم بسرعة، تعثر وسقط أرضاً، لكنه لم يجرؤ على إبعاد نظره. كان يعرف، بطريقة غريزية، أن إدارة ظهره لذلك الشيء ستكون أسوأ قرار يمكن أن يتخذه. الظل توقف أمامه، على بعد خطوة واحدة فقط. مد يده… أو ما يشبه اليد. لمس وجه آدم. وفي تلك اللحظة، انفجرت الصور داخل رأسه. لم تكن ذكريات عادية، بل كانت مشاهد مشوهة، متقطعة، يرى نفسه فيها… لكن ليس كما هو. رأى نفسه في أماكن لم يزرها، يفعل أشياء لم يفعلها، يتحدث إلى أشخاص لا يعرفهم. كانت هناك نسخة أخرى منه، تعيش حياة مختلفة… أو ربما عدة نسخ. ثم ظهرت صورة واحدة بوضوح أكبر من غيرها. حادث. سيارة مدمرة. دماء. صرخات. ثم صمت. عاد إلى الواقع فجأة، وهو يلهث بقوة، والظل أمامه بدأ يتلاشى، يختفي تدريجياً حتى عاد مجرد أثر على الجدار… ثم اختفى تماماً. لكن أثره لم يختفِ من عقل آدم. نهض بصعوبة، جسده يرتجف، وعقله يغلي بالأسئلة. ما الذي رآه؟ هل كانت ذكريات؟ أم أوهام؟ ولماذا شعر أنها حقيقية أكثر من أي شيء آخر؟ نظر إلى الساحة مرة أخرى، لكن الظلال بدأت تختفي، كأنها أنهت مهمتها… أو كأنها حصلت على ما تريد. في تلك اللحظة، لاحظ شيئاً لم يكن موجوداً من قبل. باب. كان في أحد جدران الساحة، باب خشبي قديم، نصف مفتوح، يخرج منه ضوء خافت، مختلف عن ضوء المصابيح. كان دافئاً، ثابتاً… وكأنه يدعوه للدخول. تردد آدم للحظة. كل شيء داخله كان يصرخ بأن هذا المكان خطر، أن عليه أن يهرب، أن يجد طريقاً للخروج بأي طريقة. لكن جزءاً آخر منه، جزء أعمق، كان يقول له أن هذا هو السبب الذي جاء من أجله. الحقيقة. تقدم ببطء نحو الباب، كل خطوة كانت أثقل من السابقة، لكنه لم يتوقف. عندما وصل، وضع يده على الباب، شعر بخشونته، ببرودته… لكنه لم يكن مخيفاً كالباقي. دفعه. فتح الباب بصوت طويل، وكأنه لم يُفتح منذ سنوات. ودخل. في اللحظة التي عبر فيها العتبة، أغلق الباب خلفه بقوة. واختفى كل شيء في الخارج.