الفصل الأول: الطريق إلى العدم
لم يكن الليل في تلك المدينة يشبه أي ليل آخر عرفه البشر، كان ثقيلاً، كثيفاً، كأنه كيان حي يتنفس ببطء فوق صدور سكانها، يضغط عليهم حتى يكاد يسلبهم القدرة على التفكير، وليس فقط النوم. لم تكن هناك نجوم في السماء، ولا قمر، فقط سواد ممتد بلا نهاية، وكأن السماء نفسها اختفت تاركة خلفها فراغاً مريباً.
في أطراف المدينة، حيث الطرقات شبه مهجورة، كان "آدم" يسير بخطوات مترددة، يحمل حقيبة صغيرة على كتفه، وكل ما يملكه من هذا العالم داخلها. لم يكن يعرف لماذا جاء إلى هنا تحديداً، لكنه كان يشعر أن هناك شيئاً ينتظره، شيئاً أكبر من مجرد صدفة أو قرار عابر. لقد تلقى رسالة غريبة قبل أيام، رسالة بلا اسم مرسل، فقط جملة واحدة مكتوبة بخط غير واضح: "إذا أردت الحقيقة، تعال إلى مدينة لا تنام."
لم يكن من النوع الذي يؤمن بالغموض أو الرسائل المجهولة، لكنه كان في مرحلة من حياته لم يعد فيها يملك ما يخسره. بعد الحادث الذي فقد فيه عائلته، أصبح كل شيء بلا معنى، كأن الحياة توقفت بالنسبة له، واستمرت فقط كعادة ثقيلة.
كانت المدينة أمامه الآن، بواباتها القديمة مفتوحة، لكن لا أحد يدخل أو يخرج. اللافتة الصدئة التي تحمل اسمها بالكاد يمكن قراءتها، وكأن الزمن نفسه حاول محوها. الهواء كان بارداً بشكل غير طبيعي، ورائحة غريبة تملأ المكان، خليط بين الرطوبة والصدأ... ورائحة أخرى لا يمكن وصفها.
تقدم خطوة، ثم أخرى، حتى تجاوز البوابة. في تلك اللحظة، شعر بشيء غريب، كأن جسده كله ارتجف للحظة، وكأن هناك من لاحظه فور دخوله. توقف، التفت خلفه، لكن الطريق الذي جاء منه بدا مختلفاً، أكثر ظلمة، كأنه ابتلعته العتمة.
لم يكن هناك صوت، لا سيارات، لا بشر، لا حتى حيوانات. فقط صمت ثقيل يضغط على الأذن. ومع ذلك، كان هناك إحساس خفي بأن المدينة ليست فارغة، بل على العكس، كانت مليئة... لكن بشيء لا يُرى.
تقدم في الشارع الرئيسي، الأبنية على الجانبين قديمة، نوافذها مغلقة، بعضها مكسور، وأبوابها نصف مفتوحة كأنها تُراقب الداخلين بصمت. الضوء الوحيد كان يأتي من مصابيح الشوارع، لكنها لم تكن ثابتة، كانت تومض بشكل غير منتظم، كأنها تحاول أن تقاوم الانطفاء.
كلما تقدم أكثر، بدأ يشعر أن الوقت نفسه يتغير. لم يكن يعرف كم مضى عليه منذ دخل، دقائق؟ ساعات؟ لم يكن هناك أي مؤشر. حتى هاتفه توقف عن العمل، شاشته سوداء رغم أنه كان مشحوناً بالكامل.
ثم، فجأة، سمع صوتاً.
لم يكن صوتاً واضحاً، بل همس خافت، كأنه يأتي من كل الاتجاهات في نفس الوقت. توقف مكانه، قلبه بدأ ينبض بسرعة، حاول أن يحدد مصدر الصوت، لكنه لم يستطع. الهمسات كانت غير مفهومة، كلمات متقطعة، لكنها تحمل إحساساً غريباً... إحساساً بالتحذير.
أو ربما الدعوة.
تابع السير رغم ذلك، كأن شيئاً ما يدفعه للأمام. حتى وصل إلى ساحة كبيرة في وسط المدينة. في وسط الساحة، كان هناك تمثال ضخم، مغطى بقطعة قماش سوداء، تتمايل ببطء رغم عدم وجود رياح.
اقترب منه ببطء، وكل خطوة كان يشعر بثقل أكبر في جسده، كأن الأرض نفسها تحاول إيقافه. عندما وصل، مد يده ليلمس القماش، لكنه تردد للحظة.
ثم سحبه.
في اللحظة التي سقط فيها القماش، شعر بشيء ينفجر داخل رأسه. التمثال لم يكن عادياً... كان يشبهه هو.
نفس الوجه، نفس الملامح، لكن بعينين فارغتين، مظلمتين تماماً.
تراجع خطوة إلى الخلف، غير قادر على الفهم. كيف يمكن أن يكون هذا؟ من صنع هذا؟ ولماذا؟
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر، سمع صوتاً واضحاً هذه المرة، ليس همساً، بل كلمة واحدة قيلت ببطء شديد، وكأنها خرجت من أعماق الأرض نفسها:
"أخيراً..."
في تلك اللحظة، انطفأت كل الأنوار.
وسقطت المدينة في ظلام مطلق.
لكن الظلام لم يكن فارغاً.
كان ينظر إليه.