ظل ليس لي - الفصل الثالث: حين ينكسر الحدّ - بقلم Reda Amantag | روايتك

اسم الرواية: ظل ليس لي
المؤلف / الكاتب: Reda Amantag
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث: حين ينكسر الحدّ

الفصل الثالث: حين ينكسر الحدّ

لم يجرؤ آدم على الاقتراب من المرآة. مرت ساعات وهو جالس في زاوية الغرفة، يراقبها من بعيد، كأنها كائن حي قد ينقض عليه في أي لحظة. لم يكن الضوء كافيا، ومع ذلك، كان يشعر أن الظلام داخلها أعمق من ظلام الغرفة نفسها. حاول أن يقنع نفسه بأن كل ما يحدث ليس سوى وهم. توتر… قلة نوم… ضغط اي شيء رفض أن يصدق ما حدث. لكن تلك الكلمات التي رآها تتحرك على شفتي انعكاسه لم تكن وهما. "أنا أنت." و كيف له ان ينسى هذه الجملة. رنت في رأسه مرارا، حتى كادت أن تفقد معناها… لكنها لم تفقد رعبها. نهض أخيرا، ببطء… وحذر، اقترب خطوة واحدة. ثم توقف على مسافة قصيرة، أنفاسه متقطعة، وعيناه مثبتتان على الزجاج. انعكاسه كان هناك… عاديا. ظل هادئا، ساكنا دون أي حركة و همس بصوت منخفض: "لن أخاف منك." لكنه لم يكن واثقا. مد يده نحو المرآة، ولمس سطحها البارد، وفي تلك اللحظة، شعر بشيء غريب، لم يكن مجرد زجاج. كان… لينا قليلا، كأن هناك طبقة رقيقة تفصل بين عالمين. سحب يده بسرعة، وقلبه يخفق بقوة. "لا هذا مستحيل…!!" اقترب مرة أخرى، هذه المرة بتردد أكبر، ومد إصبعه فقط، ضغط برفق، فانغرز قليلا، اتسعت عيناه. لم يكن ذلك مجرد انعكاسا، لقد كان بابا. وفجأة تحرك الشيء في الداخل لم ينتظر أن يتحرك آدم، ولم ينسخ حركته، بل مد يده هو أيضا من الجهة الأخرى. تجمد آدم، كانت اليد في الداخل تشبه يده تماما، لكنها كانت أبطأ، وأثقل وكأنها تخرج من عمق بعيد تلامست الأصابع، وفي اللحظة التي حدث فيها ذلك، انطفأ الضوء، غرق كل شيء في ظلام دامس. صرخ آدم، وتراجع بسرعة، لكنه تعثر وسقط أرضا، بدأ يتلمس طريقه بارتباك، يحاول النهوض، لكن أنفاسه كانت متسارعة، وقلبه يكاد يقفز من صدره. ثم سمعه، صوت، لم يكن من الغرفة كان من المرآة. صوت خافت مشوه كأنه يمر عبر الماء: "لا… تهرب إنه أنا أنت" تجمد آدم في مكانه كما لو كان تمثالا "لقد… انتظرت… طويلا…" ارتجف جسده بالكامل، حاول أن يصرخ، لكن صوته اختنق في حلقه. وفجأة، عاد الضوء، بشكل مرعب و مفاجئ مؤلم للعينين. نظر آدم فورا نحو المرآة كانت كما هي لا شيء تغير ولا شيء غريب صامتة، ساكنة، لا شيء فيها. نهض بصعوبة، يقترب ببطء، وكأن جزءا منه لا يزال يريد التأكد. وقف أمامها، ونظر لانعاكسه الذي كان مجرد انعكاس طبيعي. لكن، كان هناك شيء جديد. خدش، خط رفيع على سطح المرآة، كما لو أن شخصا حاول الخروج ولم ينجح بالكامل. رفع يده ولمس الخدش, كان حقيقيا ليس وهما، باردا. وفي تلك اللحظة، شعر بشيء آخر، ألم خفيف في يده، نظر إليها بسرعة، وكان هناك نفس الخدش. في الأيام التي تلت، تغير كل شيء. لم يعد آدم يشعر أنه وحده في جسده. أحيانا، كان يفقد التركيز لثوان ثم يجد نفسه في مكان آخر، دون أن يتذكر كيف وصل. رسائل في هاتفه لم يكتبها، مكالمات لم يجرها، نظرات غريبة من الناس، كأنهم رأوا منه شيئا لا يعرفه. وفي إحدى المرات، قال له ياسين: "آدم… هل كنت أمس غاضبا مني؟" قطب آدم حاجبيه: "لا… لماذا؟" تردد ياسين، ثم قال: "لأنك… لم تكن تبدو نفسك." صمت آدم، لم يسأله ماذا يقصد، كان يخاف أن يعرف. في تلك الليلة، عاد إلى غرفته، وقف أمام المرآة، بهدوء هذه المرة، بلا خوف ظاهر منتظرا ظهور انعكاسه. "ماذا تريد؟" سألها مباشرة دون تردد، وصمت. ثم ابتسم الانعكاس، لكن هذه المرة لم يختف لا هو ولا ابتسامته المريبة. وببطء بدأ برفع يده، لكن آدم لم يتحرك ظل واقفا، مجمدا، ويشاهد اليد في المرآة ترتفع أكثر و أكثر حتى لامست السطح. ثم، بدأت تخرج ببطء مرعب، كأنه لا وجود للزجاج، كأن ذاك الحد انكسر. اتسعت عينا آدم، وتراجع خطوة للخلف، لكن فات الأوان ، الأصابع خرجت أولا، ثم اليد، ثم جزء من الذراع. باردة، شاحبة، ولكنها حقيقية. توقفت للحظة، كأنها انتهاك للمنطق. ثم، تحركت نحوه. وفي تلك اللحظة، أدرك آدم الحقيقة التي كان يهرب منها لم يكن ينظر إلى انعكاسه، بل كان ينظر إلى شيء يحاول أن يصبح هو.