ظل ليس لي - الفصل الثاني: ما لا ينعكس - بقلم Reda Amantag | روايتك

اسم الرواية: ظل ليس لي
المؤلف / الكاتب: Reda Amantag
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: ما لا ينعكس

الفصل الثاني: ما لا ينعكس

لم ينم آدم تلك الليلة. بقي مستلقيًا على سريره، يحدّق في السقف، بينما كانت صورته في المرآة طاغية على أفكاره كظل لا يمحى. حاول إقناع نفسه مرارا أن ما رآه لم يكن سوى إرهاق أو خدعة بصرية، لكن شيئا عميقا في داخله كان يرفض هذا التفسير. شيءٌ كان يقول له: ما رأيته كان حقيقة. عند الفجر، نهض ببطء. كان الضوء الخافت يتسلل إلى غرفته، يرسم خطوطا باهتة على الجدران ،تردد قليلا قبل أن يلتفت نحو المرآة. كانت هناك كأي مرآة تعكس الغرفة كما هي، بلا اختلاف، اقترب منها، خطوة خطوة، حتى أصبح على بعد نفس منها. حدق في عينيه طويلا. و قال بصوت متردد "إن كنتَ موجودًا … فأظهر نفسك." همس بها، وكأنه يخاطب شخصا آخر، لا مجرد انعكاس. مرت ثوان ثقيلة عن النفس ثم… لا شيء. تنفس بارتياح خفيف، وكاد أن يبتسم، و لكن بين حين وآخر لاحظ أمرا غريبا. انعكاسه… لم يتنفس، تجمد في مكانه من شدة رعب الموقف. كان صدره في الواقع يرتفع وينخفض ببطء، لكنه في المرآة… كان ساكنا، صامتا كأنه تمثال، كأنه صورة معلقة، لا حياة فيها. رفع يده بسرعة، في الواقع، ارتفعت يده فورًا. أما في المرآة… فقد تأخرت. تأخرت نصف ثانية فقط لكنها كانت كافية لتكسر كل منطق. تراجع آدم برعب في عينه، واصطدم بالحائط، بدأ قلبه يخفق بسرعة، وعرق بارد انساب على جبينه. "هذا ليس حقيقيا إ… إن هذا ليس حقيقيا!" كان يكررها كتعويذة، لكنه لم يعد يصدقها. في تلك اللحظة، تحرك الانعكاس دون أن يتحرك هو، ببطءٍ شديد، ارتسمت على وجهه في المرآة ابتسامة. ابتسامة أوسع هذه المرة، وأبرد. تجمد آدم في مكانه، غير قادر على الحركة. كان ينظر إلى نفسه… أو إلى شيء يشبهه، لكنه ليس هو. ثم اختفت الابتسامة فجأة، وعاد كل شيء طبيعيا، أو هكذا بدا. ذهب للجامعة لكن كان جسدا لا عقلا. في الجامعة، لم يكن آدم حاضرا حقا. جلس بين زملائه، ينظر إلى السبورة، لكن عقله كان في مكان آخر. كلما لمح سطحا عاكسا نافذة، شاشة هاتف، حتى ملعقة كان يتفحص صورته بسرعة، كمن يبحث عن دليل يؤكد جنونه… أو ينفيه. "آدم، هل أنت بخير؟" انتبه على صوت صديقه ياسين، الذي كان يراقبه منذ مدة. "نعم… كانت ليلة عصيبة لم أنم جيدا." أجاب بسرعة، دون أن ينظر إليه. ضيق ياسين عينيه قليلا، وقال بنبرة مترددة: "تبدو شاحبا… وكأنك رأيت شبحا." ابتسم آدم ابتسامة باهتة، وقال: "ربما رأيت أسوأ من ذلك." لم يضحك ياسين. كان هناك شيء في نبرة آدم جعله يصمت. عند عودته إلى المنزل، حاول آدم أن يتجاهل المرآة، مر بجانبها دون أن ينظر، وكأنها باب يخشى فتحه، لكن الفضول… أو الخوف… أو كلاهما، كان أقوى. توقف، و التفت ببطء، نظر للمرآة. في البداية، لم ير شيئا غريبا، مجرد انعكاس عادي، غرفة عادية، وجه متعب. ثم… رمش، لكن هذه المرة، لم يرمش الانعكاس. ظلت عيناه في المرآة مفتوحتين، تحدّقان فيه بثباتٍ مخيف كأنه يريد قول شيء. ثانية… ثانيتان… ثلاث… شعر آدم أن الزمن توقف. ثم، ببطء مرعب، مال رأس الانعكاس قليلا… كما لو كان يدرسه. همس آدم، بالكاد يسمع: "من أنت…؟" لم يجب الصوت. لكن الشفاه في المرآة… تحرّكت مع حركة لليد ببطء… وبوضوح… كأنها تقول: "أنا أنت." ارتد آدم إلى الخلف وكأنه تلقى ضربة. اختفت الحركة فورا، وعاد الانعكاس طبيعيا، يكرر حركاته بلا تأخير. لكن الأوان كان قد فات. لقد فهمها، ورآها. لم يعد هناك مجال للشك، ذلك لم يكن انعكاسًا، كان… شيئا آخر. في تلك الليلة، جلس آدم في زاوية غرفته، بعيدا عن المرآة كأنه يخشاها. لكن ذاك شعور الهلع و الصدمة لم يفارقاه. كان هناك إحساس ثقيل عن النفس، كأن أحدا يراقبه، ببطء، رفع نظره. لم يكن ينظر إلى المرآة مباشرة… لكن من زاوية عينه رأى شيئًا. حركة خفيفة، كأن الظل محبوس في المرآة محاولا الخروج منها.