الفصل الثاني:
يقول محمود درويش:
♕"الحب هو أن لا نعزل الحبيبة عن العالم... بل أن نرى العالم من خلالها"♕
في تمام الساعة الواحدة ظهراً، وضع "محمد اليعقوبي" القلم من يده معلناً نهاية يوم عمل شاق ومضنٍ. أسند ظهره إلى كرسيه وتنهد بعمق، حين مرّ طيف زوجته في باله وهي تذكره بأن "ديما" ستطأ قدماها أرض المطار في تمام الواحدة والنصف. لم يضع ثانية واحدة؛ التقط معطفه ومفاتيح سيارته وانطلق مسرعاً والبهجة تسبقه.
في طريقه، استوقفه عبق الزهور المنبعث من محلٍ على الرصيف. ترجل من سيارته كعاشقٍ يبحث عن أجمل ما يليق بـ "أميرته".
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام يا سيدي، أي خدمة؟"
"أريد باقة ورد متنوعة، اجمع لي من كل نوعٍ زهرة."
وبالفعل، تم تنسيق باقة فريدة، تداخلت فيها الألوان والأحجام لتشكل لوحة تليق بالعائدة. عاد إلى سيارته، وأدار المذياع لتنساب أنغام كوكب الشرق "أم كلثوم" وكأنها تصف حال قلبه في سنوات الغياب:
"دارت الأيام.. ومرت الأيام.. ما بين بعاد وخصام
وقابلني حُلو العيون"
"خانته الفرحة وكلمني.. ورجع لي الشوق وطمني"
أغمض عينيه للحظة، فسرقت به الذاكرة إلى الوراء.. رأى ديما الصغيرة وهي تخطو أولى خطواتها، تتعثر وتتمسك تارة بيده وتارة بيد والدتها "نادين". لم يستيقظ من غمرة ذكرياته إلا على صوت طرقات خفيفة على زجاج السيارة.. لقد وصل.
في المطار (1:30 ظهراً):
لامست عجلات الطائرة المدرج، وبدأ الركاب بالنزول. كانت هي "المسك" الذي خُتم به الزحام. طلّت بفستانها الأبيض الطويل، الذي تزينت أكمامه عند المرفقين بورود زرقاء رقيقة زادتها رُقياً. انتعلت كعباً عالياً بلون عينيها الزرقاوين، وتركت شعرها ينسدل بحرية على كتفيها، بينما استقرت نظارتها الشمسية فوق رأسها في لفتة زادتها سحراً.
اتجهت بخطوات واثقة لاستلام حقائبها:
"الاسم؟"
"ديما محمد اليعقوبي."
"تفضلي آنستي، من هنا."
سحبت حقيبتها وجلست على مقعد قريب، واضعة قدماً فوق أخرى بوقار، وقلبها يخفق انتظاراً لرفيق دربها وحبيبها الأول.. والدها الذي لم تره منذ خمس سنوات قضاها في الغربة للدراسة.
دخل والدها المطار يحمل باقة الورد، وما إن وقعت عيناه عليها حتى كاد قلبه يطير من بين ضلوعه. فتح ذراعيه ونادى بصوتٍ يرتجف من الشوق: "ديما!"
التفتت إليه، فتسارعت دقات قلبها حتى ظنت أنها ستخترق صدرها. صرخت بلهفة: "أبي!" وارتمت في حضنه تغرق في دفئه الذي افتقدته طويلاً.
"اشتقتُ إليك جداً يا أبي."
"آه يا صغيرتي.. لو عاد بي الزمن لما تركتكِ تغادرينني أبداً. هيا بنا، والدتكِ تشتعل شوقاً بانتظارك."
_____________________________________
في بيت محمد اليعقوبي:
كانت "نادين" كالنحلة في خلية نحل، تنادي بصوتٍ ملؤه الحماس:
"عائشة.. يا عائشة!"
"نعم سيدتي؟"
"هل كل شيء جاهز لاستقبال ابنتي؟"
"نعم، كل شيء على أكمل وجه."
رددت الأم في سرها: "الحمد لله، أخيراً جاء اليوم الذي انتظرتُه.. صغيرتي ستعود لحضني".
زينت نادين البيت كله بالورود الطبيعية، دخلت غرفة ديما بنفسها، غيرت الشراشف، رتبت الخزانة، ونظمت المكتب بعناية فائقة. كأن الروح عادت إلى الجدران بعد غياب طويل.
توقفت السيارة أمام البوابة الكبيرة، لوّح "محمد" بيده للحارس الذي فتح الأبواب على مصراعيها بابتسامة ترحيب. نزلت ديما، لتجد والدتها بانتظارها عند المدخل. كان لقاءً يختصر سنين العتاب والشوق؛ عناقٌ طويل طوى المسافات.
"حبيبتي.. اشتقتُ إليكِ فوق ما يتصوره عقل."
"وأنا أيضاً يا أمي.. لكن دعونا ندخل، فالتعب قد نال مني ومن وعثاء السفر."
"بالطبع، تفضلي يا أميرة البيت."
دخلت ديما وتأملت كل زاوية، فقفزت إلى ذهني صورها وهي طفلة في الخامسة تركض في هذه الأركان. لم يقطع شرودها إلا لمسة حانية على كتفها.. كانت والدتها تبتسم لها قائلة:
"الغداء جاهز يا ابنتي."
اجتمعت العائلة حول المائدة في أجواء مهيبة، ضحكاتهم تملأ المكان، معلنةً عودة الحياة لبيت اليعقوبي بعودة "الأميرة"...