الفصل السابع: العبور المكسور
لم يعد الضوء البنفسجي المنبعث من البنية الحجرية مجرد ظاهرة غريبة تثير التساؤل، بل أصبح مركز كل شيء في ذلك العالم، وكأنه القلب الذي يدفع هذا المكان إلى الاستمرار رغم الخراب الذي يحيط به، ومع ازدياد شدته، بدأت ملامح الواقع تتشوه تدريجيًا، حيث لم تعد الأشياء ثابتة كما كانت، بل أصبحت تتداخل وتتغير وكأنها تعيش حالة من عدم الاستقرار، وكأن هذا الضوء لا يكشف الحقيقة فقط، بل يعيد تشكيلها أيضًا.
كانت ليان تقف أمام ذلك المصدر، تشعر بأن كل ما حدث منذ دخولها هذا العالم يقودها إلى هذه اللحظة بالذات، لحظة مواجهة الحقيقة التي كانت تتشكل تدريجيًا أمامها، ومع ذلك لم يكن هذا الشعور مريحًا، بل كان يحمل معه ثقلًا كبيرًا، وكأن المعرفة التي تقترب منها ليست مجرد إجابة، بل عبء سيغير نظرتها لكل شيء.
ومع استمرار تفاعل الضوء مع ما استيقظ داخلها، بدأت تشعر بأن الحدود بين جسدها وهذا العالم بدأت تتلاشى، وكأنها لم تعد مجرد كيان منفصل، بل أصبحت متصلة به بطريقة مباشرة، ومع هذا الاتصال بدأت تدرك أن هذا المكان ليس غريبًا عنها كما كانت تعتقد، بل يحمل جزءًا منها، أو ربما تحمل هي جزءًا منه.
كانت الفكرة في حد ذاتها مخيفة، لكنها بدأت تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا مع تدفق الإحساس بالمعرفة داخلها، حيث لم تعد ترى هذا العالم كمكان مظلم فقط، بل كنسخة مشوهة من شيء آخر، نسخة فقدت توازنها وتحولت إلى ما هي عليه الآن، ومع هذا الإدراك بدأت تتشكل في ذهنها صورة جديدة، صورة لمدينتها، لكن ليس كما تراها في الواقع، بل كما يمكن أن تصبح إذا استمر هذا الخلل.
ومع هذا الفهم، أصبح واضحًا أن الباب الذي عبرته لم يكن مجرد ممر بين عالمين، بل كان نقطة توازن، نقطة تربط بين عالمها وهذا العالم، وعندما فُتح، لم يكن مجرد عبور، بل كان كسرًا لهذا التوازن، كسرًا سمح للطرف الآخر بأن يبدأ في التسلل، ببطء، لكن بثبات.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن ما يحدث في مدينتها في الليل لم يكن مجرد ظواهر غريبة، بل كان بداية لهذا التسلل، بداية لتحول قد لا يمكن إيقافه بسهولة، ومع هذا الإدراك شعرت بثقل المسؤولية يزداد، لأن وجودها هنا لم يعد مجرد صدفة، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بما يحدث هناك.
لكن هذا الفهم لم يأتِ وحده، بل جاء معه إدراك آخر أكثر خطورة، إدراك أن العودة إلى عالمها لن تكون كافية لإيقاف ما بدأ، وأن إغلاق الباب قد لا يكون ممكنًا بنفس الطريقة التي فُتح بها، مما جعل الوضع أكثر تعقيدًا مما كانت تتوقع.
ومع ذلك، لم يكن لديها خيار سوى المحاولة، لأن البقاء هنا لن يغير شيئًا، بل قد يجعل الأمور أسوأ، ومع هذا القرار بدأت تقترب أكثر من مصدر الضوء، تشعر بأن كل خطوة تقربها من لحظة العبور، لكن أيضًا من المجهول الذي ينتظرها على الجانب الآخر.
ومع اقترابها، بدأ الضوء يزداد كثافة، حتى أصبح من الصعب تمييز ما حولها، وكأن العالم كله بدأ يذوب داخل هذا التوهج البنفسجي، ومع هذا التغير بدأت تشعر بأن جسدها يفقد ثقله تدريجيًا، وكأنها لم تعد مرتبطة بالأرض، بل أصبحت جزءًا من هذا التدفق من الطاقة.
وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك فرق واضح بين الداخل والخارج، بين الواقع والفراغ، بل أصبح كل شيء حالة واحدة من الامتداد، ومع هذا الإحساس بدأت تدرك أنها على وشك العبور، ليس عبر باب مادي كما حدث من قبل، بل عبر انتقال أعمق، انتقال يعتمد على هذا الاتصال الذي تشكل بينها وبين هذا العالم.
لكن قبل أن يكتمل هذا الانتقال، حدث شيء غير متوقع، حيث بدأ الضوء يتذبذب بشكل مفاجئ، وكأن هناك قوة أخرى تتدخل، ومع هذا الاضطراب بدأت الظلال من حولها تتحرك بعنف، وكأنها تحاول منع ما يحدث، أو ربما السيطرة عليه، ومع هذا الصراع أصبح التوازن الذي بدأ يتشكل غير مستقر.
وفي تلك اللحظة، شعرت ليان بأن العبور لم يعد مضمونًا، وأن هناك احتمالًا أن يتم سحبها إلى مكان آخر، أو أن تفقد السيطرة بالكامل، ومع هذا الإدراك حاولت التمسك بذلك الإحساس الداخلي الذي كان يقودها، محاولة الحفاظ على اتجاهها رغم الفوضى التي بدأت تسيطر على كل شيء.
ومع اشتداد الاضطراب، بدأ الضوء ينفجر في ومضات غير منتظمة، وكل ومضة كانت تحمل معها صورًا متقطعة، صورًا لمدينتها، لشوارعها، لبيتها، لكنها لم تكن طبيعية، بل كانت مشوهة، وكأن الظلام بدأ يزحف إليها بالفعل، مما زاد من إحساسها بأن الوقت ينفد.
وفي لحظة واحدة، بلغ هذا الصراع ذروته، حيث اختفى كل شيء من حولها، ولم يعد هناك ضوء أو ظلام، بل فراغ مطلق، فراغ شعرت فيه بأنها معلقة بين عالمين، لا تنتمي لأي منهما بالكامل، ومع هذا الإحساس أدركت أن العبور لم يكتمل، وأن ما حدث ليس عودة حقيقية، بل كسر في الطريق.
ومع عودة الإحساس تدريجيًا، بدأت تشعر بالأرض تحت قدميها مرة أخرى، لكن هذا الشعور لم يكن مريحًا، بل كان يحمل معه توترًا غريبًا، وكأن المكان الذي عادت إليه ليس كما كان من قبل، ومع فتح عينيها، بدأت ترى ملامح مألوفة، لكنها لم تكن مطمئنة.
كانت المدينة أمامها، لكنها لم تكن نفس المدينة التي تعرفها، حيث بدت الشوارع أكثر ظلمة، والمباني أكثر صمتًا، وكأن شيئًا ما قد تغير في غيابها، أو ربما كان يتغير طوال الوقت دون أن تلاحظ.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن العبور الذي قامت به لم يكن عودة كاملة، بل كان بداية لمرحلة جديدة، مرحلة لم تعد فيها الحدود واضحة بين العالمين، بل بدأت تتداخل بشكل خطير، مما يعني أن ما كانت تحاول الهروب منه قد تبعها إلى هنا.
وهكذا، وقفت ليان في مدينتها، لكنها لم تعد تشعر بأنها آمنة، بل شعرت بأن الخطر أصبح أقرب من أي وقت مضى، وأن ما بدأ في ذلك العالم لم ينتهِ، بل بدأ الآن فقط، داخل المكان الذي كانت تعتقد أنه موطنها.