مدينة الظلال الأخيرة - الفصل الأول : الباب الذي لا يفتح - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مدينة الظلال الأخيرة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول : الباب الذي لا يفتح

الفصل الأول : الباب الذي لا يفتح

لم تكن مدينة أورين مدينة عادية كما يظن الغرباء الذين يمرون بها في النهار، فقد كانت تبدو في ضوء الشمس كأي مدينة أخرى تعيش حياة بسيطة هادئة، حيث تنتشر المحلات الصغيرة على أطراف الشوارع، ويتحرك الناس في روتينهم اليومي دون أن يثيروا الانتباه، بينما يركض الأطفال في الأزقة الضيقة غير مدركين لما يخفيه هذا المكان من أسرار، لكن مع اقتراب الليل كانت ملامح المدينة تتغير تدريجيًا وكأنها تخلع قناعها لتكشف عن وجه آخر أكثر ظلمة وغموضًا، حيث تختفي الأصوات شيئًا فشيئًا، وتغلق النوافذ بإحكام، ويحرص الجميع على البقاء داخل بيوتهم، ليس بدافع الراحة بل بدافع خوف متجذر في أعماقهم لا يستطيعون تفسيره. في ذلك المساء، كانت ليان تقف خلف نافذتها تحدق في الشارع الذي بدأ يفرغ من المارة بسرعة غير معتادة، وكان الضباب يتسلل ببطء بين المنازل كأنه كائن حي يبحث عن شيء ما، وكانت تشعر بثقل غريب في صدرها كلما ازداد الظلام كثافة، وكأن إحساسًا داخليًا يحذرها من أمر لا يمكن رؤيته، لكنها لم تستطع مقاومة فضولها، فقد كانت منذ فترة تلاحظ أن الليل في هذه المدينة لا يشبه أي ليل آخر، بل يحمل في طياته شيئًا غير طبيعي، شيئًا يجعل الصمت يبدو مخيفًا أكثر من الضوضاء. ومع حلول منتصف الليل، أصبحت المدينة غارقة تمامًا في سكون ثقيل، ولم يعد يُسمع سوى صوت الرياح الخفيفة التي تمر بين الأزقة، وبينما كانت ليان تراقب هذا الهدوء غير المريح، سمعت فجأة صوت خطوات خافتة في الخارج، خطوات بطيئة ومنتظمة وكأن صاحبها يتعمد أن يُسمع نفسه دون أن يُرى، فتجمدت في مكانها وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، إذ كانت تعرف جيدًا التحذيرات التي ترددت على مسامعها منذ طفولتها، تلك التحذيرات التي كانت تأمرها بعدم النظر أو الحركة إذا سمعت شيئًا في الليل، لكن ذلك الصوت كان مختلفًا، كان يحمل نوعًا من الغموض الذي لا يمكن تجاهله. ورغم الخوف الذي بدأ يتسلل إلى داخلها، لم تستطع مقاومة رغبتها في معرفة مصدر الصوت، فاقتربت ببطء من النافذة ورفعت الستارة قليلًا، محاولة أن ترى ما يحدث في الخارج، لكنها لم تجد شيئًا، كان الشارع فارغًا تمامًا، وكأن الصوت لم يكن سوى وهم، إلا أن الشعور بأن هناك من يراقبها لم يختفِ، بل ازداد قوة، مما دفعها إلى إغلاق الستارة بسرعة والابتعاد، بينما كان قلبها ينبض بعنف وكأنها نجت من شيء لم تفهمه بعد. في صباح اليوم التالي، بدت الحياة وكأنها عادت إلى طبيعتها، حيث امتلأت الشوارع بالناس مجددًا، وعادت الأصوات والضوضاء لتملأ المكان، لكن بالنسبة لليان لم يكن شيء طبيعيًا، فقد بقيت تلك الليلة عالقة في ذهنها، خاصة ذلك الإحساس الغريب الذي لم تستطع تفسيره، والذي جعلها تشعر بأن هناك سرًا كبيرًا مخفيًا داخل هذه المدينة، سرًا لا يريد أحد الحديث عنه. وخلال يومها الدراسي، لم تستطع التركيز على ما يجري حولها، إذ كانت أفكارها تدور حول ما حدث في الليلة السابقة، ومع مرور الوقت بدأت تسترجع قصصًا قديمة كانت تسمعها من الكبار، قصص تتحدث عن مكان مهجور في أطراف المدينة، وعن باب قديم لا يُفتح، وعن أشياء تظهر في الليل ثم تختفي مع أول خيط من ضوء الصباح، وكانت دائمًا تعتبر تلك القصص مجرد خرافات، لكن بعد ما حدث بدأت تشك في ذلك، وبدأت تشعر أن هناك رابطًا بين تلك الحكايات وما عاشته. ومع نهاية اليوم، اتخذت قرارًا لم تكن تدرك نتائجه، حيث قررت أن تذهب بنفسها إلى ذلك المكان الذي لطالما أثار فضولها، ولم تخبر أحدًا بما تنوي فعله، وكأن شيئًا خفيًا كان يدفعها نحو ذلك الاتجاه دون أن تفهم السبب، فسلكت الطريق المؤدي إلى الجزء القديم من المدينة، ذلك الجزء الذي نسيه الزمن، حيث البيوت المهجورة والجدران المتشققة التي تحمل آثار سنوات طويلة من الإهمال، وكان الهواء هناك مختلفًا، أثقل وأكثر برودة، مما زاد من شعورها بعدم الارتياح، لكنها واصلت طريقها دون تردد. وبعد مسافة طويلة من السير، وصلت أخيرًا إلى المكان الذي كانت تبحث عنه، حيث كان الباب يقف هناك في صمت مهيب، ضخمًا ومخيفًا، مصنوعًا من معدن داكن تعلوه نقوش غريبة لا تشبه أي لغة معروفة، وكان يبدو وكأنه موجود منذ زمن بعيد جدًا، أقدم من المدينة نفسها، وربما أقدم من أي شيء آخر، وعندما اقتربت منه شعرت وكأنها تقف أمام شيء حي، شيء يراقبها وينتظرها. مدّت يدها ببطء نحو سطحه البارد، وبمجرد أن لمسته، شعرت بارتعاش خفيف يسري في جسدها، وكأن الباب استجاب لها بطريقة غير مرئية، وفي تلك اللحظة، تسلل إلى ذهنها صوت غريب لم يكن صادرًا من الخارج، بل من داخلها، صوت يحمل نبرة عميقة وغامضة، وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد، مما جعلها تسحب يدها بسرعة وتبتعد خطوة إلى الخلف، بينما كان قلبها يخفق بسرعة أكبر من قبل. ومع تزايد ذلك الشعور الغريب، بدأت النقوش على سطح الباب تتوهج بلون بنفسجي خافت، وكأنها تستيقظ من سبات طويل، وازداد ثقل الهواء من حولها حتى أصبح التنفس صعبًا، بينما كان الإحساس بأن هناك شيئًا سيحدث يسيطر عليها بالكامل، ولم تمر سوى لحظات حتى بدأ الباب يتحرك ببطء، مصدراً صوت احتكاك معدني عميق يبعث على الرهبة، ومع كل جزء ينفتح منه كان الظلام في داخله يبدو أعمق وأكثر كثافة، وكأنه ليس مجرد غياب للضوء بل وجود لشيء آخر. ومع انفتاح الباب بشكل أوسع، شعرت ليان بأن الواقع من حولها بدأ يتغير، وكأن حدود العالم الذي تعرفه بدأت تتلاشى تدريجيًا، ولم تعد قادرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو وهم، وكان ذلك الظلام الذي يقبع خلف الباب يبدو وكأنه كيان بحد ذاته، يتحرك ويتنفس ببطء، منتظرًا اللحظة المناسبة للخروج، بينما كانت هي واقفة عاجزة عن الحركة، كأن قوة غير مرئية تمنعها من الهروب. وفي تلك اللحظة، أدركت أن ما كانت تعتبره مجرد خرافات لم يكن كذلك، وأن المدينة التي عاشت فيها طوال حياتها تخفي سرًا أخطر بكثير مما تخيلت، سرًا مرتبطًا بهذا الباب، وبما يوجد خلفه، وربما بها هي نفسها، دون أن تدرك كيف أو لماذا، وكان هذا الإدراك كافيًا ليغير كل شيء، وليجعلها تدرك أن حياتها لن تعود كما كانت أبدًا، وأنها على وشك الدخول في عالم لم تكن مستعدة له، عالم تحكمه قوى غامضة لا ترحم. وهكذا، بدأت القصة الحقيقية، ليس فقط للمدينة، بل لليان أيضًا، التي أصبحت دون أن تعلم جزءًا من سر أكبر منها، سر سيكشف نفسه تدريجيًا، ومع كل خطوة ستخطوها نحو الحقيقة، ستجد نفسها تقترب أكثر من الخطر، وأكثر من الإجابة التي قد تتمنى لو أنها لم تعرفها أبدًا.